فهذا كله يبيّن ما يجب أن يقوم به الأئمة في حفظ العلم وتدوينه إذ يدخل هذا في واجباتهم وأولها - كما قال الماوردي - (حفظ الدين على أصوله المستقرة) .
2 -إعداد طائفة من الأمة لتحصيل فروض الكفاية من العلم.
يدل قول الله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) النحل: 43، بدلالة إشارته على وجوب إيجاد هذه الطائفة (أَهْلَ الذِّكْرِ) في الأمة لتعليم المسلمين، ولما كان الإمام مسئولا عن تعليم الرعية فهو أول المخاطبين بهذا الواجب.
ونفس الاستدلال يقال في قوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة: 122.
3 -نصب المُعلِّمين لتعليم الرعية.
ويدل على أن هذا من واجبات الإمام.
أ - إرسال النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم رضي الله عنهما لتعليم من أسلم من أهل يثرب (المدينة) بعد بيعة العقبة وقبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها. فعن البراء رضي الله عنه قال (أول من قَدِمَ علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يُقْرِئاننا القرآن) [1] .
ب - ومثله ما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: جاء ناسٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا أن ابعث معنا رجالا يعلِّمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القُرَّاء فيهم خالي حَرَامٌ، يقرءون القرآن ويتدراسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصُّفة وللفقراء، فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فعَرَضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان، فقالوا اللهم بلِّغ عنا نبيّنا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا، قال: وأتى رَجُلٌ حَرامًا خال أنس من خلِفه فطعنه بُرمح حتى أَنْفَذهُ فقال حرامٌ: فُزْتُ وربِّ الكعبة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه (إن إخوانكم قد قُتِلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلِّغ عنا نبينا أن قد لقِيناك فرضينا عنك ورضيت عنّا) [2] .
ج - وروى أحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُشْغَل فإذا قِدم رجلٌ مهاجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعه إلى رجل مِنا يعلمه القرآن) [3] .
د - وأورد البخاري في كتاب العلم من صحيحه، باب (عِظة الإمام النساء وتعليمهن) وروى فيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أشهد على النبي صلى الله عليه وسلم خرج ومعه بلال فظن أنه لم يُسْمع فوعظهن وأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تُلقى القُرْط والخاتم، وبلال يأخذ في طرف ثوبه [4] . قال ابن حجر [قوله «باب عظة الإمام النساء» نبّه بهذه الترجمة على أن ما سبق من الندب إلى تعليم الأهل ليس مختصًا بأهلهن، بل ذلك مندوب للإمام الأعظم ومن ينوب عنه] [5] .
هـ - وقال ابن حزم رحمه الله [وكل من كان مِنَّا في بادية لا يجد فيها من يعلِّمه شرائع دينه ففرض على جميعهم من رجل أو امرأة أن يَرْحَلوا إلى مكان يجدون فيه فقيها يعلمهم دينهم، أو أن يُرَحِّلوا إلى أنفسهم فقيها يعلمهم أمور دينهم. وإن كان الإمام يعلم ذلك فَلْيُُرَحِّل إليهم فقيهًا يعلمهم، قال الله تعالى «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» ، وبعث عليه السلام معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، وأبا عبيدة إلى البحرين، معلِّمين للناس أمور دينهم، فَفَرْضُ ذلك على الأئمة] [6] .
و - وقال ابن حزم أيضا - بعد أن وَصَف فرض العين من العلم - [ويُجْبر الإمام أزواج النساء وسادات الأرقاء على تعليمهم ماذكرنا، إما بأنفسهم وإما بالإباحة لهم لقاء من يعلمهم، وفرض على الإمام أن يأخذ الناس بذلك، وأن يرتب أقواما لتعليم الجُهَّال] [7] .
فهذا بعض مايدل على واجب الإمام في نصب المعلّمين لتعليم الرعية.
4 -تصفح أحوال المفتين والمعلّمين.
(1) رواه البخاري (4941)
(2) متفق عليه، واللفظ لمسلم
(3) الحديث (المسند 5/ 324)
(4) (حديث 98)
(5) (فتح الباري) ج 1 ص 192
(6) (الإحكام) ج 5 ص 118
(7) (الإحكام) ج 5 ص 122 وقال الخطيب البغدادي كلاما قريبا من هذا في (الفقيه والمتفقه) 1/ 46