فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 1285

روى ابن عبدالبر عن مالك رحمهما الله قال: [أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي عبدالرحمن فوجده يبكي، فقال له ما يبكيك وارتاع لبكائه، فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟. فقال: لا، ولكن استُفتي مَن لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم، قال ربيعة: ولَبَعض من يُفتي ههنا أحقّ بالسجن من السُّرَّاق] [1] .

وربيعة هو المعروف بربيعة الرأي من التابعين بالمدينة، مات سنة ست وثلاثين ومائة هجرية، وعنه أخذ مالك الفقه. فإذا كان ربيعة رحمه الله قال هذا في زمانه فكيف بزماننا؟.

وقال العلاّمة أحمد بن حمدان الحنبلي رحمه الله (ت 695 هـ) : [ورأى رجل ربيعة بن عبدالرحمن يبكي فقال: ما يُبكيك؟ فقال: اسُتفتي مَن لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم، وقال: ولَبَعض من يفتي ها هنا أحق بالسجن من السراق. قلت: فكيف لو رأى زماننا وإقدام مَن لا علم عنده على الفتيا مع قلة خبرته وسوء سيرته وشؤم سريرته، وإنما قصده السمعة والرياء ومماثلة الفضلاء والنبلاء والمشهورين المستورين، والعلماء الراسخين، والمتبحرين السابقين، ومع هذا فهم يُنهون فلا ينتهون، ويُنَبَّهون فلا ينتبهون، قد أملي لهم بانعكاف الجهال عليهم، وتركوا ما لهم في ذلك وما عليهم، فمن أقدم على ما ليس له أهلا من فتيا أو قضاء أو تدريس أثم. فإن أكثر منه وأصرّ واستمر فسق، ولم يحل قبول قوله ولا فتياه ولا قضاؤه، هذا حكم دين الإسلام والسلام. ولا اعتبار لمن خالف هذا الصواب فإنا لله وإنا إليه راجعون.] [2] .

مما سبق يتبيّن لك خطر الفتوى والتعليم، وخطر تصدي غير المؤهلين لها لما يترتب على هذا من الفساد العظيم وإشاعة الضلالات، وترى هذا كثيرًا في هذا الزمان ممن يتسمّون بالعلماء وليسوا منهم، وترى هذا في الفتاوى الباطلة والاجتهادات الفاسدة التي تملأ الصحف والكتب هذه الأيام، (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) المطففين: 4 - 6. ولما كان من أول واجبات الإمام حفظ الدين على أصوله المستقرة، كان لزاما عليه تصفح أحوال المفتين والمعلِّمين، ليقر من هو أهل لهذا، ويمنع من ليس أهلا. وإليك أقوال العلماء التي تبيّن هذا:

قال القاضي أبو يعلى رحمه الله:[وأما جلوس العلماء والفقهاء في الجوامع والمساجد والتصدي للتدريس والفتيا، فعلى كل واحد منهم زاجر من نفسه أن لايتصدى لما ليس له بأهل، فيضل به المستهدي، ويزلّ به المسترشد، وقد جاء الأثر «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على جراثيم جهنم» .

وقد قال أحمد في رواية صالح «ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجوه القرآن، عالما بالأسانيد الصحيحة، عالما بالسنن» . وقال في رواية حنبل «ينبغي لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم، وإلا فلا يفتي» .

وللسلطان فيهم من النظر مايوجبه الاحتياط من إنكار أو إقرار. - إلى أن قال - وإذا تنازع أهل المذاهب المختلفة فيما يسوغ فيه الاجتهاد لم يعترض عليهم فيه، إلا أن يحدث بينهم تنافر فيُكَفوا عنه.

وإن حدث منازع ارتكب مالا يسوغ في الاجتهاد كُف عنه ومُنع منه. فإن أقام عليه وتظاهر باستغواء من يدعو إليه لزم السلطان أن يحسمه بزواجر السلطنة، ليبين ظهور بدعته، ويوضح بدلائل الشرع فساد مقالته، فإن لكل بدعة ٍ مستمعًا، ولكل مستغو ٍ متبعًا.] [3] .

وقال الماوردي رحمه الله مثله إلى قوله (ولكل مستغو ٍ متبعًا) وأضاف الماوردي [وإذا تظاهر بالصلاح من استبطن ماسواه تُرك، وإذا تظاهر بالعلم من عَرِىَ منه هُتِك، لأن الداعي إلى صلاحٍ ليس فيه مُصْلِحٌ، والداعي إلى علم ٍ ليس فيه مُضِلٌ] [4] .

(1) (جامع بيان العلم) ج 2 ص 201

(2) (صفة الفتوى) لابن حمدان، ط المكتب الإسلامي 1404 هـ، ص 11 - 12

(3) (الأحكام السلطانية) لأبي يعلى، ص 226 - 227، ط دار الفكر 1394 هـ

(4) (الأحكام السلطانية) للماوردي، ص 189، ط الحلبي 1393 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت