فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 1285

وقال النووي رحمه الله [قال الخطيب: ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين فمن صلح للفتيا أقرّه ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود وتواعده بالعقوبة إن عاد وطريق الإمام إلى معرفة من يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته ويعتمد أخبار الموثوق بهم. ثم روى بإسناده عن مالك رحمه الله قال: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك. وفي رواية ما أفتيت حتى سألت مَن هو أعلم مني هل يراني موضعا لذلك قال مالك ولاينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلا لشيء حتى يسأل مَن هو أعلم منه] [1] .

وقال ابن القيم رحمه الله[من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ٍ، ومن أقره من وُلاَة الأمور على ذلك فهو آثم أيضا.

قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة مَنْ يدل الركب، وليس له علم الطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة مَن لا معرفة له بالطب وهو يطبُّ الناس، بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع مَنْ لم يُحسن التطبُّب من مُدَاواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟.

وكان شيخنا رضي الله عنه شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجُعِلْتَ محتسبًا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبَّازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب؟] [2] .

فهذا كلام العلماء رحمهم الله في وجوب تصفح الإمام لأحوال المفتين والمعلمِّين، أما في زماننا هذا، حيث لا إمام، فإن هذا الواجب يتعين على كل مؤهل له، لأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو من فروض الكفاية ويتعيّن على المؤهَّل له خاصة إذا لم يقم به غيره. ومازال العلماء من لدن الصحابة رضي الله عنهم وإلى يومنا هذا يردون على المخالف في الأصول والفروع، ويبيِّنون خطأ المخطيء وزيغ الزائغ، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم (يحمل هذا العلم من كل خلف ٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) .5 - إجراء الأرزاق على الفقهاء والمعلمِّين.

قال الخطيب البغدادي رحمه الله (ذِكر مايلزم الإمام أن يفرض للفقهاء ومن نَصَبَ نفسه للفتوى من الرزق والعطاء) قال[لا يسوغ للمفتي أن يأخذ الأجرة من أعيان مَن يفتيه كالحاكم الذي لايجوز له أن يأخذ الرزق من أعيان من يحكم له وعليه.

وعلى الإمام أن يفرض لمن نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى في الأحكام مايُغنيه عن الاحتراف والتكسُّب، ويجعل ذلك في بيت مال المسلمين.

فإن لم يكن هناك بيت مال أو لم يفرض الإمام للمفتي شيئا واجتمع أهله على أن يجعلوا له من أموالهم رزقا ليتفرغ لفتاويهم وكتابات نوازلهم ساغ ذلك.

ثم روى الخطيب بإسناده قال كتب عمر بن عبدالعزيز إلى والي حمص: انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا فأعط كل رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ماهم عليه من بيت مال المسلمين حين يأتيك كتابي هذا، فإن خير الخير أعجله والسلام عليك.] [3] .

وبيان هذا: أن فروض الكفاية كالقضاء والفتيا والتعليم واجبة على جماعة المسلمين على اختلاف في الواجب على كل ٍ منهم لتحقيق الكفاية. فالفتيا فرض كفاية على مجموع المسلمين وليس كلهم مؤهلا لها، فالواجب على المؤهلين أن يقوموا بذلك بأنفسهم، ثم الواجب على بقية المسلمين أن يعينوا هؤلاء المؤهلين على التصدِّي لما هم له أهل. وقد ذكرنا هذا المعنى - عند كلامنا عن فرض الكفاية من العلم في الباب الثاني - [4] . ومن إعانة الكل للبعض المؤهل إجراء الأرزاق عليهم ليتمكنوا من التفرغ لما هم له أهل. ويكون هذا من بيت مال المسلمين، فإن لم يوجد أو تَعَذّر، وتطوع بعض المسلمين بكفالة هؤلاء المتفرغين للفتيا والتعليم ساغ هذا كما قال الخطيب البغدادي رحمه الله.

وأشار الشاطبي إلى هذا في مسألة [من كُلِّف بمصالح غيره وجب على المسلمين القيام بمصالحه، وإنما يكون ذلك من بيت المال ونحوه] [5] .

ودليل هذا من النصوص

(1) (المجموع) ج 1 ص 41. وهذا الكلام الذي نقله النووي عن الخطيب البغدادي موجود بكتاب الخطيب (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 153 - 154

(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 217

(3) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 164

(4) نقلا عن الشاطبي من (الموافقات) ج 1 ص 176 - 179

(5) (الموافقات) ج 2 ص 366 - 367

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت