وقال السرخسي في شرحه لكتاب (السير الكبير) [والدار تصير دار المسلمين بإجراء أحكام الإسلام] [1] .
وللقاضي أبي يعلى الحنبلي] كل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي دار الكفر [[2] . وقال الشيخ منصور البهوتي]وتجب الهجرة على من يعجز عن إظهار دينه بدار الحرب وهي مايغلب فيها حكم الكفر [[3] .
مناط الحكم على الدار
مناط الحكم هو عِلّته، وسميت العلة مناطًا لأنها مكان نوطه أي تعليقه، وسميت عِلة لأنها أثرت في المحل كعِلّة المريض، فالعلة هي الوصف الذي عُلِّق عليه الحكم، فإذا وُجِدَ الوصف وُجِدَ الحكم وإلا فلا، وهذا هو معنى قول العلماء (الحكم يدور مع عِلته وجودًا وعدمًا) .
وقد تضمنت أقوال العلماء السابقة ذِكر سببين للحكم على الدار: الأول (القوة والغلبة) كما قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن] لأن البقعة إنما تُنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة [. والسبب الثاني (نوع الأحكام المطبقة فيها) كما ورد في كلام سائر من نقلنا عنهم. وعند التحقيق فإن السببين يرجعان إلى شيء واحد هو مناط الحكم على الدار، ولاتناقض بين السببين: لأن الغلبة والأحكام قرينان، فلا يكون المتغلِّب متغلبًا إلا إذا كان هو صاحب الأمر والنهي، فالأمر والنهي هما من أهم مظاهر الغلبة والسلطان، فالسلطان المسلم يطبق أحكام الإسلام وإلا لما كان مسلمًا، والسلطان الكافر يطبق أحكام الكفر. وبهذا يكون مناط الحكم على الدار هو نوع الأحكام المطبقة فيها والتي تدل على من له الغلبة فيها، كما قال الصاحبان - فيما نقله السرخسي -] فكل موضع ظهر فيه حكم الشرك فالقوة في ذلك الموضع للمشركين فكانت دار حرب، وكل موضع كان الظاهر فيه حكم الإسلام فالقوة فيه للمسلمين [. وسوف يأتي في مسألة استيلاء الكفار على دار الإسلام بيان أنه إذا تغلب كافر على الدار وظلت أحكام الإسلام مطبقة (وهو الاستيلاء الناقص) فهي دار إسلام، مما يبيّن أن المناط يرجع إلى الأحكام المطبقة.
ويلاحظ أن كون المناط: نوع الأحكام المطبقة في الدار، هو وصفٌ مناسب للتعليل، وذلك لأن الأحكام - لا الحاكم - هي التي تصبغ الدار بصبغتها، فأحكام الإسلام بما تأمر به وتنهى عنه تصبغ الدار بصبغة إسلامية، وأحكام الكفر بما تأمر به وتبيحه وبما تنهى عنه تصبغ الدار بصبغة الكفر من إباحة الردة والإلحاد وسب الدين والطعن فيه بلا رادع أو عقوبة، ومن إباحة الربا والزنا والخمر والتبرج والاختلاط، ومن عدم مؤاخذة تارك الصلاة والصيام والزكاة، ومن معاقبة من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر خاصة بيده، وشيوع هذا كله وغيره هو من صفات دار الكفر. فالأحكام هي التي تصبغ الدار بصبغتها لا الحاكم، الذي لو أراد شيئا من ذلك فإنه لايتمكن منه إلا بالأمر والنهي، وهذه هي الأحكام فهي إما أمر أو نهي أو إباحة، والحاكم ينفذ ذلك بشوكته.
ومن الأدلة على أن مناط الحكم على الدار: نوع الأحكام المعبرة عن أصحاب الغلبة فيها:
(1) (السير الكبير) 5/ 2197
(2) (المعتمد في أصول الدين) لأبي يعلى ص 276، ط دار المشرق ببيروت 1974، ولعبدالقاهر البغدادي مثله في (أصول الدين) له، ص 270، ط دار الكتب العلمية ط 2
(3) (كشاف القناع) له، 3/ 43