فهرس الكتاب

الصفحة 720 من 1285

• قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) النساء: 97. فكون المسلم المخاطب بالهجرة مستضعفًا في أرض ٍ ما يدل على أن الغلبة فيها للكفار، ومثله قوله تعالى (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) الأعراف: 88، فالإضافة في كلمة (قَرْيَتِنَا) هي إضافة نسبة وتملك، أي قرية الكافرين المستكبرين، ويدل على تملكهم لها وغلبتهم عليها تهديدهم المؤمنين بالإخراج منها بما يعني أنهم أصحاب الأمر والنهي فيها، فدلَّ هذا على أن دار الكفر ماكانت الغلبة فيها للكفار وماكان الأمر والنهي فيها للكفار والأمر والنهي هما الأحكام وهما مظهر الغلبة والسلطان. ومثل هذه الآية قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) إبراهيم: 13. ويقال فيها ماقيل في الآية السابقة. فدل مجموع هذه الآيات على أن دار الكفر هي ماكانت الغلبة والأحكام فيها للكفار.

• وقول رسول الله عليه الصلاة والسلام - بعد فتح مكة - (لاهجرة بعد الفتح) الحديث متفق عليه، وكانت الهجرة واجبة من مكة لأنها كانت دار كفر حتى الفتح، فصارت دار إسلام وسقط فرض الهجرة منها، والذي تغير بالفتح وتغيرت معه أحكام مكة هو تغير اليد الغالبة عليها من يد الكفار إلى يد المسلمين وما تبع ذلك من تغير الأحكام، فدلّ هذا على أن مناط الحكم على الدار هو اليد الغالبة عليها والأحكام تبع لها، فإن الكافر يحكم بأحكام الكفار والمسلم يحكم بأحكام الإسلام وإلا لكان كافرًا. وفي بيان هذا المناط قال ابن حزم رحمه الله] لأن الدار إنما تنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها [[1] . هذا مناط الحكم على الدار.

تنقيح مناط الحكم على الدار

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي]التنقيح في اللغة: التهذيب والتصفية، فمعنى تنقيح المناط: تهذيب العلة وتصفيتها بإلغاء مالا يصلح للتعليل واعتبار الصالح لها [[2] .

وقد أخطأ البعض في هذا المقام فظنوا أن إقامة كثير من المسلمين ببعض البلدان مع أمنهم وقدرتهم على إظهار شعائر دينهم كالأذان والصلاة والصوم وغيرها كاف ٍ في اعتبار البلد دار إسلام، حتى قال البعض: كيف تقولون إن البلد الفلاني دار كفر وفي عاصمته مايزيد عن ألف مسجد؟ وهذا كله لا اعتبار له وقد بيّنا أن مناط الحكم على الدار هو اليد الغالبة عليه والأحكام الجارية فيه، وماعدا ذلك من الأوصاف فلا اعتبار له في الحكم على الدار، ومن الأوصاف التي يجب إلغاؤها في هذا المقام تنقيحًا للمناط، مايلي:

1 -لا دخل لديانة أكثرية السكان في الحكم على الدار.

ودليله أن خيبر كان يسكنها اليهود ولما فتحها النبي عليه الصلاة والسلام عام 7 هـ أقرهم فيها ليقوموا على زراعتها [3] ،

(1) (المحلى) 11/ 200

(2) (مذكرة أصول الفقه) ص 292

(3) (حديث 4248 بالبخاري)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت