فهذا ما يدل على أنه يُسمى كافرًا مع جهله قبل الدعوة، أما إنه لا يعاقب قبل الدعوة فلا يجوز قتله في الدنيا حتى يُدعى ولا يعذبه الله في الآخرة حتى تبلغه الدعوة، فدليله:
(1) قوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء: 15.
(2) وقوله تعالى (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) القصص: 47. قال ابن تيمية [فدّل ذلك على أن المقتضى لعذابهم قائم ولكن شرط العذاب هو بعد بلوغ الرسالة، ولهذا قال (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) ] [1] .
(3) وقوله تعالى (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى) طه: 134. قال ابن تيمية رحمه الله [فهذا يبين أنه لم يكن ليعذب الكفار حتى يبعث إليهم رسولًا، وبيّن أنهم كانوا قبل الرسول قد اكتسبوا الأعمال التي توجب المقت والذم وهي سبب للعذاب، لكن شرط العذاب قيام الحجة عليهم بالرسالة] [2] .
ومن هذا الباب أيضًا الآيات: الأنعام 131، و الشعراء 208، و القصص 59.
والخلاصة: أنه بالنسبة للكافر الأصلي فإن الجهل مانع من معاقبته، وليس مانعا من الحكم عليه بالكفر.
2 -أما من ثبت له حكم الإسلام في الأصل:
فإنه لو فعل شيئا مكفرًا وهو جاهل جهلا معتبرًا، فإن الجهل يكون مانعا من الحكم عليه بالكفر وبالتالي مانعا من العقوبة. ولا يُسمى كافرًا قبل إقامة الحجة عليه، بخلاف الكافر الأصلي الذي يُسمى كافرًا قبل إقامة الحجة عليه.
والدليل على أن المسلم الذي يرتكب الكفر جهلا لا يحكم عليه بالكفر ولا يُسمى كافرًا حتى يُعَلّم وتقام عليه الحجة:
(أ) حديث ذات أنواط. وهو عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حُنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سِدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسِدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى(اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) ، لتركبن سَنن من كان قبلكم) [3] . وهنا لم يكفرهم النبي صلى الله عليه وسلم مع طلبهم الشرك وعَذَرهم بالجهل لكونهم حدثاء عهد بكفر، وهذا من المواضع التي يُعذر فيها بالجهل كما سنفصله فيما بعد إن شاء الله.
(ب) والدليل أيضا على أنه لا يُسمى كافرًا حتى تقام عليه الحجة: إجماع الصحابة الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله [وأما الفرائض الأربع فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك، وأما من لم تقم عليه الحجة: مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئذٍ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن
(1) (الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح) لابن تيمية، 1/ 314
(2) (المصدر السابق) 1/ 316
(3) رواه الترمذي وصححه