مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل] [1] .
واختلفت أقوال علماء الدعوة النجدية في هذه المسألة: هل الجهل مانع من الحكم بالكفر أم مانع من العقوبة؟.
فذهب الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله إلى أن الجهل مانع من الحكم - وهو الصواب الذي تشهد له الأدلة السابقة - فقال [إذا فعل الإنسان الذي يؤمن بالله ورسوله ما يكون فعله كفرًا أو اعتقاده كفرًا جهلا منه بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا لا يكون عندنا كافرًا ولا نحكم عليه بالكفر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية التي يكفر من خالفها، فإذا قامت عليه الحجة وبُيّن له ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وأصرّ على فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهذا هو الذي يكفر] [2] .
وذهب آخرون إلى أن الجهل مانع من العقوبة ليس مانعا الحكم بالكفر، ومن هذا ما ورد في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية، وذلك في جواب السؤال الثاني من الفتوى رقم (4400) ، قالوا: [كل من آمن برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر ما جاء به في الشريعة إذا سجد بعد ذلك لغير الله من ولي وصاحب قبر أو شيخ طريق يعتبر كافرًا مرتدًا عن الإسلام مشركًا مع الله غيره في العبادة ولو نطق بالشهادتين وقت سجوده، لإتيانه بما ينقض قوله من سجوده لغير الله، لكنه قد يعذر لجهله فلا تنزل به العقوبة حتى يُعلم وتقام عليه الحجة ويمهل ثلاثة أيام إعذارا إليه ليراجع نفسه عسى أن يتوب فإن أصر على سجوده لغير الله بعد البيان قتل لردته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدّل دينه فاقتلوه» .[3] ، فالبيان وإقامة الحجة للإعذار إليه قبل إنزال العقوبة به لا ليسمى كافرًا بعد البيان فإنه يسمى كافرًا بما حدث منه.] [4] .
وهذه الفتوى خطأ، فإنه إذا كان الجهل معتبرًا كعذر كان مانعا من الحكم بلا شك، ويدل على ذلك ما قدّمناه من أدلة كحديث ذات أنواط وإجماع الصحابة في حادثة قدامة بن مظعون. ولهم رَدُّ ُ مشهور على حديث ذات أنواط حيث يقولون: إن الذين طلبوا ذلك قالوا ولم يفعلوا وسيأتي كلامهم بنصه في الفصل الرابع إن شاء الله، يريدون بذلك أن مجرد الطلب ليس شركا، وهذا خطأ إذ لم يختلف العلماء في أن من نوي الكفر في المآل كَفَر في الحال، وسيأتي تقرير هذا في شرح قاعدة التكفير بمبحث الاعتقاد إن شاء الله. فمجرد طلبهم كان شركًا، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم (قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى(اجْعَل لَّنَا إِلَهًا ) ) وهذا هو الشرك، ولكنه خفي عليهم لكونهم حديثي عهد بالكفر أي أسلموا حديثا، فقد كانوا من مسلمة الفتح (فتح مكة) وخرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى غزوة حنين وكانت قبل أقل من شهر من فتح مكة، فلم تكن لديهم فسحة من الوقت للتعلم، ولهذا قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - في هذا الحديث - [قوله «ونحن حدثاء عهد بكفر» يشير إلى أهل مكة الذي أسلموا قريبًا، فلذلك خفي عليهم هذا الشرك المذكور في الحديث، بخلاف من تقدم إسلامهم] [5] ، وقال ابن عمه الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ - في فوائد هذا الحديث - [أن من أراد أن يفعل الشرك جهلًا فنُهي عن ذلك فانتهى لا يكفر] [6] . وهذا كله في بيان أن ما طلبوه كان شركًا، ومنع جهلهم من الحكم بكفرهم.
(1) (مجموع الفتاوى) 7/ 609 - 610
(2) (الدرر السنية في الأجوبة النجدية - ج 8 - كتاب المرتد - ص 158 - 159)
(3) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما
(4) إفتاء المشايخ: عبد الله بن قعود وعبد الرزاق عفيفي وعبد العزيز بن باز. نقلا عن (فتاوى اللجنة الدائمة) جمع الدويش، ج 1 ص 220
(5) (قرة عيون الموحدين) له، ص 74
(6) (تيسير العزيز الحميد) ص 185