الاستفتاء إذا لم يجد المستفتي من يفتيه ببلده. وكانت المدينة دار العلم وذلك قبل تفرق الصحابة في البلدان مع الفتوحات.
ثالثا: أقوال العلماء في المسألة:
1 -روي أبو عمر بن عبدالبر رحمه الله بإسناده عن إسحاق بن راهوية رحمه الله قال] طلب العلم واجب، ولم يصحّ فيه الخبر، إلا أن معناه أنه يلزمه طلب علم مايحتاج إليه من وضوئه وصلاته وزكاته إن كان له مال وكذلك الحج وغيره. قال: وما وجَبَ عليه من ذلك لم يستأذن أبويه في الخروج إليه، وماكان فضيلة لم يخرج إليه حتى يستأذن أبويه [[1] .
وموضع الدلالة منه قول إسحاق رحمه الله (وما وجب عليه من ذلك لم يستأذن أبويه في الخروج إليه) . وإنما لم يجب الاستئذان لأن طلب هذا العلم فرض عين، بمنزلة فرض العين من الجهاد، لايجب فيه استئذان الوالدين إذا اقتضى طلبه الخروج والرحلة.
2 -قال ابن حزم رحمه الله] وكل من كان منا في بادية لايجد فيها من يعلمه شرائع دينه ففرض على جميعهم من رجل أو امرأة أن يَرْحلوا إلى مكان يجدون فيه فقيهًا يعلمهم دينهم، أو أن يُرَحِّلوا إلى أنفسهم فقيها يعلمهم أمور دينهم [[2] .
وقال ابن حزم أيضا]فإن لم يجدوا في محلتهم من يفقههم في ذلك كله كما ذكرنا ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المحتوين على صنوف العلم، وإن بعدت ديارهم ولو أنهم بالصين، لقوله تعالى (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) التوبة: 122، والنفار والرجوع لايكون إلا برحيل. ومن وَجَد في محلته من يفقهه في صنوف العلم كما ذكرنا فالأمة مجمعة على
أنه لا يلزمه رحيل في ذلك، إلا القصد إلى مسجد الفقيه أو منزله فقط، كما كان الصحابة يفعلون مع النبي [صلى الله عليه وسلم[3] .
3 -وقال الخطيب البغدادي رحمه الله]أول مايلزم المستفتي إذا نزلت به نازلة أن يطلب المفتي ليسأله عن حكم نازلته، فإن لم يكن في محلته وَجَب عليه أن يمضي إلى الموضع الذي يجده فيه، فإن لم يكن ببلده لزمه الرحيل إليه وإن بعدت داره، فقد رحل غير واحد ٍ من السلف في مسألة [[4] .
4 -وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله]إن قلت: من تفقه وقرأ كتابا من كتب المذهب أو أكثر، وهو مع ذلك قاصر لم يتصف بصفة أحدٍ من أصناف المفتين الذي سبق ذكرهم، فإذا لم يجد العامي في بلده غيره فرجوعه إليه أولى من أن يبقى في واقعته مرتبكا في حيرته.
قلت: إن كان في غير بلده مُفت ٍ يجد السبيل إلى استفتائه فعليه التوصل إلى استفتائه بحسب إمكانه، على أن بعض أصحابنا، ذكر أنه إذا شغرت البلدة عن المفتين فلا يحل المقام فيها، وإن تعذر ذلك عليه ذكر مسألته للقاصر المذكور [[5] . وموضع الدلالة في قوله [إن كان في غير بلده مُفت ٍ يجد السبيل إلى استفتائه فعليه التوصل إلى استفتائه بحسب إمكانه] .
(1) قال ابن عبدالبر (يريد إسحاق والله أعلم أن الحديث في وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم بالنقل، ولكن معناه صحيح عندهم(جامع بيان العلم) ج 1 ص 9
(2) (الإحكام) ج 5 ص 118
(3) (الإحكام) ج 5 ص 123
(4) (الفقيه والمتفقه) ج 2 ص 177
(5) (أدب المفتي) ص 104