فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 1285

على فساد ملزوماتها، بل يلزم منه أنه إذا رأي نص رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النصَّ وأقوال الصحابة ويُقَدِّم عليها قول من انتسب إليه.

وعلى هذا فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، ولايجب عليه ولا على المفتي أن يتقيد بأحد من الأئمة الأربعة بإجماع الأمة - إلى أن قال: -

ولكن ليس له أن يتبع رخص المذاهب وأخْذُ غرضه من أي مذهب وجده فيه، بل عليه اتباع الحق بحسب الإمكان [[1] .

2 -وأما من أوجبوا التمذهب: فحجتهم أنا لو تركنا العامي مخيّرا في استفتاء من يشاء من الفقهاء لأفضى به هذا إلى التلفيق وإلى تتبع رخص المذاهب، بما يؤدي إلى انحلال ربقة التكليف، فوجب إلزامه بمذهب معيّن يأخذ بُرخَصه وعزائمه.

أما التلفيق: فكأن يتزوج بلا وليّ عملا بقول الأحناف، وبلا شهود عملا بقول المالكية. فلفّق قولا من المذهبين. مع أن نكاحه هذا باطل على المذهبين، فإن من لم يشترط الولي اشترط الشهود، ومن يشترط الشهود اشترط الولي.

وأما تتبع رخص المذاهب: فمثاله قول أحمد بن حنبل رحمه الله] لو أن رجلا عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة كان فاسقا [[2] .

ومن هنا قال بعض العلماء بوجوب التزام العامي بمذهب معين، كما قال النووي رحمه الله]وبه قطع أبو الحسن الكيّا، وهو جارٍ في كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأصحاب سائر العلوم، ووجهه أنه لو جاز اتباع أي مذهب شاء لأفضى إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعًا هواه ويتخيّر بين التحليل والتحريم والوجوب والجواز، وذلك يؤدي إلى انحلال ربقة التكليف بخلاف العصر الأول فإنه لم تكن المذاهب الوافية بأحكام الحوادث مهذبة وعرفت، فعلى هذا يلزمه أن يجتهد في اختيار مذهب يقلده على التعيين [[3] .

وعلى هذا فإن من قال بوجوب التمذهب ليس معه دليل إلا سد ذريعة الترخّص. وإلى هذا القول مال النووي ورجح للعامي التمذهب بمذهب الشافعي رحمه الله. وقد احتاط من قال بالمنع من التمذهب بأن قال أن عدم التمذهب لايُسّوِّغ للعامي تتبع رخص المذاهب كما في آخر الكلام السابق لابن القيم. وهذا إجماع لاخلاف فيه كما قال ابن عبدالبر]قال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشَّرُ كلُّه [[4] .

3 -أما من أجاز التمذهب دون أن يوجبه: فمنهم ابن تيمية، فقد سُئل رحمه الله]ماتقول السادة العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين - في رجل سئل إيش مذهبك؟ فقال: محمدي، أتبع كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فقيل له: ينبغي لكل مؤمن أن يتبع مذهبًا ومن لامذهب له فهو شيطان! فقال: إيش كان مذهب أبي بكر الصديق والخلفاء بعده رضي الله عنهم؟ فقيل له: لاينبغي لك إلا أن تتبع مذهبًا من هذه المذاهب، فأيهما المصيب؟ أفتونا مأجورين!

فأجاب:

الحمد لله. إنما يجب على الناس طاعة الله والرسول، وهؤلاء أولوا الأمر الذين أمر الله بطاعتهم في قوله: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) النساء: 59 إنما تجب طاعتهم تبعًا لطاعة الله ورسوله لا استقلالا، ثم قال (فَإِن

(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 261 - 264

(2) (ارشاد الفحول) ص 253

(3) (المجموع) ج 1 ص 55

(4) قال ابن عبدالبر (هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا) (جامع بيان العلم) ج 2 ص 92

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت