فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 1285

تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) النساء: 59.

وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولايجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل مايوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واتباع شخص لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته إنما هو مما يسوغ له، ليس هو مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق، بل كل أحد عليه أن يتقي الله مااستطاع، ويطلب علم ماأمر الله به ورسوله، فيفعل المأمور، ويترك المحظور. والله أعلم [[1] .

وقال ابن تيمية أيضا]وإذا كان الرجل متبعا لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد: ورأي في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى فاتبعه كان قد أحسن في ذلك. ولم يقدح في دينه. ولا عدالته بلا نزاع، بل هذا أولى بالحق. وأحب إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ممن يتعصب لواحد معين، غير النبي صلى الله عليه وسلم، كمن يتعصب لمالك أو الشافعي أو أحمد أو أبي حنيفة، ويرى أن قول هذا المعين هو الصواب الذي ينبغي اتباعه، دون قول الإمام الذي خالفه.

فمن فعل هذا كان جاهلا ضالا، بل قد يكون كافرًا، فإنه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتباع واحد بعينه من هؤلاء الأئمة دون الإمام الآخر فإنه يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل، بل غاية مايقال: إنه يسوغ أو ينبغي أو يجب على العامي أن يقلد واحدا لا بعينه، من غير تعيين زيد ولا عمرو.

وأما أن يقول قائل: إنه يجب على العامة تقليد فلان أو فلان، فهذا لايقوله مسلم.

ومن كان مواليا للأئمة محبًا لهم يقلد كل واحد منهم فيما يظهر له أنه موافق للسنة فهو محسن في ذلك [[2] .

وقول شيخ الإسلام إن من أوجب اتباع عالم بعينه يستتاب وإلا قتل، يعني أنه يكفر بهذا القول، لأن حقيقة قوله أنه جعل هذا العالم ربًا أو نبيًا معصومًا، كما بينه ابن تيمية في قوله]ولو فُتح هذا الباب لوجب أن يُعرض عن أمر الله ورسوله، ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي صلى الله عليه وسلم في أمته، وهذا تبديل للدين يشبه ما عاب الله به النصارى في قوله (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة: 31 -، والله سبحانه وتعالى أعلم [[3] . وقال العلامة صالح بن محمد الفلاّني رحمه الله (1218هـ) :]قال شيخ مشايخنا محمد حياة السندي: اللازم على كل مسلم أن يجتهد في معرفة معاني القرآن وتتبع الأحاديث وفهم معانيها وإخراج الأحكام منها، فإن لم يقدر فعليه أن يقلد العلماء من غير التزام مذهب، لأنه يشبه اتخاذه نبيًا. قال الفلاني معقبا على ذلك: وقوله يشبه اتخاذه نبيًا ... الخ» بل هو عين اتخاذه ربًا، على ماتقدم في المقدمة عند تفسير قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) التوبة: 31 الآية من حديث عدي بن حاتم وغيره [[4] .

(1) (مجموع الفتاوي) ج 20 ص 208 - 209

(2) (مجموع الفتاوى) ج 22 ص 248 - 249

(3) (مجموع الفتاوي) 20/ 216

(4) (ايقاظ همم أولي الأبصار) للفلاني، ص 70

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت