وقال ابن تيمية أيضا - مُبَيِّنا قول الجمهور في المسألة -] دوأصل هذه المسألة أن العامي هل عليه أن يلتزم مذهبا معينًا يأخذ بعزائمه ورخصه؟ فيه وجهان لأصحاب أحمد، وهما وجهان لأصحاب الشافعي، والجمهور من هؤلاء وهؤلاء لايوجبون ذلك، والذين يوجبونه يقولون: إذا التزمه لم يكن له أن يخرج عنه مادام ملتزما له أو مالم يتبين له أن غيره أولى بالالتزام منه [[1] .
وبعد: فهذه أقوال العلماء في حكم التمذهب: من قال بالمنع، ومن قال بالوجوب، ومن قال بالجواز. والذي نختاره من هذه الأقوال قول شيخ الإسلام ابن تيمية في المسألة أن التمذهب إنما هو مما يسوغ للحاجة من غير إيجاب، وأنه لايحل التقيد بالمذهب في مسألة ٍ ما إذا علم أن الحق الذي يشهد له الدليل بخلافه.
وسوف نذكر في الباب الخاص بالكتب التي نوصي بدراستها أن دراسة الفقه ينبغي أن تكون من خلال الكتب المذهبية نظرًا لما توفره من منهج متدرج متكامل في الدراسة، وسيأتي بيان ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ثالثا: من التزم مذهبا معينا هل يجوز أن يتحوّل عنه؟
والجواب: أنه يجب عليه ذلك إن كان تحوله إلى الحق بأن يظهر له أن غير مذهبه أولى بالاتباع في مسألة معينة، قال تعالى (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء) الأعراف: 3، ولايجوز له التحول إن كان لمجرد تتبع رخص المذاهب.
قال ابن تيمية رحمه الله] ولا ريب أن التزام المذاهب والخروج عنها إن كان لغير أمر ديني مثل: أن يلتزم مذهبا لحصول غرض دنيوي من مال أو جاه ونحو ذلك: فهذا مما لا يحمد عليه، بل يذم عليه في نفس الأمر، ولو كان ماانتقل إليه خيرا مما انتقل عنه، وهو بمنزلة من لايُسلم إلا لغرض دنيوي، أو يهاجر من مكة إلى المدينة لامرأة يتزوجها أو دنيا يصيبها، وقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم رجل هاجر لامرأة يقال لها أم قيس، فكان يقال له: مهاجر أم قيس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» .
وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني، مثل أن يتبين رجحان قول على قول، فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الله ورسوله: فهو مثاب على ذلك، بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر أن لا يعدل عنه، ولا يتبع أحدًا في مخالفة الله ورسوله، فإنَّ الله فرض طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم على كل أحد في كل حال، وقال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء: 65، وقال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) آل عمران: 31، وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) الأحزاب: 36 [[2] .
(1) (مجموع الفتاوي) ج 20 ص 222
(2) (مجموع الفتاوى) ج 20 ص 222 - 223. وأنبه على أن قصة مهاجر أم قيس قد قال ابن حجر إن الطبراني رواها بإسناد صحيح، ولكن لايوجد في طرق حديث هذه القصة مايدل على أن حديث (الأعمال بالنيات) سيق بسبب ذلك (فتح الباري) 1/ 10