فقرروا أن من قال الكُفر كَفَر وإن لم يعتقده ولم يعمل به إذا لم يكن مكرهًا، وكذلك إذا فَعَل الكفر كَفَر وإن لم يعتقده ولانطق به، وكذلك إذا شرح بالكفر صدره أي فتحه ووسّعه وإن لم ينطق بذلك ولم يعمل به. وهذا معلوم قطعًا من كتبهم ومن له ممارسة في العلم فلابد أن يكون قد بلغ طائفة من ذلك [[1] .
فاقتصر بعض العلماء على ثلاثة أسباب للكفر (قول أو فعل أو اعتقاد) وزاد بعضهم (أو شك) ، وذلك تمييزًا للشك من الاعتقاد مع أن كلاهما من أعمال القلب، ولكن الاعتقاد هو الأمر المنعقد المستقر، أما الشك فهو مالم ينعقد ولم يستقر لكونه يستوي هو ونقيضه، فمن استقر في قلبه كذب الرسول فهذا كفر اعتقاد، ومن شك في صدق الرسول ويحتمل كذبه عنده فهذا كفر شك، قال تعالى (وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) التوبة: 45.
وهنا تنبيه هام: وهو أن ماسبق هو تعريف الردة على الحقيقة، أما في أحكام الدنيا التي تجري على الظاهر فلا يحكم بالردة إلا بقول مكفِّر أو فعل مكفِّر، فالقول والفعل هما مايظهر من الإنسان، أما الاعتقاد والشك ومحلهما القلب فلا مؤاخذة بهما في الدنيا مالم يظهرا في قول أو فعل، فقد قال رسول الله عليه الصلاة والسلام - في الحديث الصحيح - (إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس) الحديث، وفي الصحيح أيضا أنه عليه الصلاة والسلام قال لأسامة (أفلا شققت عن قلبه) الحديث. فمن كفر بقلبه (باعتقاد أو شك) ولم يظهره في قول أو فعل هو مسلم في حكم الدنيا ولكنه كافر على الحقيقة عند الله وهو المنافق النفاق الأكبر المستسر بكفره، قال ابن القيم] ولم يرتب تلك الأحكام على مجرد مافي النفوس من غير دلالة فعل أو قول [[2] ، وهذا لاخلاف فيه في أحكام الدنيا التي تجري على الظاهر وفي هذا قال الإمام الطحاوي رحمه الله في اعتقاده - في أهل القبلة -]ولانشهد عليهم بكفر ولابشرك ولابنفاق، مالم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى [قال الشارح] لأنا قد أُمِرنا بالحكم بالظاهر، ونُهينا عن الظن واتباع ماليس لنا به علم [[3] .
والخلاصة: أن الحكم بالردة - في الدنيا - لايكون إلا بقول ٍ مُكَفِّر أو فعل ٍ مُكَفِّر.
قال ابن تيمية رحمه الله]فالمرتد: كل من أتى بعد الإسلام من القول أو العمل بما يناقض الإسلام بحيث لايجتمع معه [[4] . وقال ابن تيمية أيضا]وبالجملة فمن قال أو فعل ماهو كفرٌُ كَفَر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرا، إذ لايقصد الكفر أحد إلا ماشاء الله [[5] .
(تنبيه) بشأن إمكان وقوع الرِدّة، وسرعة وقوعها:
بالغ كثير من المعاصرين في التحذير من تكفير الناس وإن فعلوا ما فعلوا، وقالوا إن هذا مذهب الخوارج، بل قد ذهب البعض إلى نفي إمكان وقوع الردة وأن المسلم المقر بالشهادتين لا يكفر أبدا ويستدل بعضهم بعبارة (لا نكفر مسلمًا
(1) (الدفاع عن أهل السنة والاتباع) للشيخ حمد بن عتيق، ط دار القرآن الكريم 1400هـ، ص 30
(2) (اعلام الموقعين) 3/ 117
(3) (شرح العقيدة الطحاوية) ص 427، ط المكتب الإسلامي 1403هـ
(4) (الصارم المسلول) ص 459
(5) (الصارم المسلول) ص 177 - 178