فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 1285

بذنب).

وهذا من الجهل بدين الإسلام، أما الخوارج فإنهم يكفّرون بالذنوب غير المكفرة، وأما أهل السنة فإنهم يكفّرون بالذنوب المكفرة، وأما عبارة (لا نكفر مسلمًا بذنب) سبق بيان معناها في تعليقي على العقيدة الطحاوية.

وقد ارتد أناس في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد وفاته ارتد عامة مَن أسلم مِن العرب إلا أهل مكة والمدينة والبحرين وقاتلهم أبوبكر والصحابة على الردة.

قال تعالى (لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة: 66، وقال تعالى (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ) التوبة: 74 فهؤلاء الذين نزلت فيهم هذه الآيات كفروا بكلمات قالوها في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، وقال عليه الصلاة والسلام (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يُمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا) [1] . فالعبد قد يكفر بكلمة واحدة يقولها ولو هازلا، ولهذا قال شارح العقيدة الطحاوية] فدين الإسلام هو ما شرعه الله سبحانه وتعالى لعباده على ألسنة رسله، وأصل هذا الدين وفروعه روايته عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل مميز - من صغير وكبير، وفصيح وأعجم، وذكي وبليد - أن يدخل فيه بأقصر زمان، وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك [[2] . فتأمل قوله (يقع الخروج منه بأسرع من ذلك) ، ولهذا ذكر العلماء الردة في نواقض الوضوء والأذان والصلاة والصوم وغيرها، أي أن الإنسان قد يتوضأ يريد الصلاة فيأتي مكفرًا - من قولٍ أو فعل ٍ أو اعتقاد أو شك - فيرتد، فإن تاب وجب عليه تجديد وضوءه الذي فسد بالردة، فتأمل سرعة الردة تدرك فساد قول الذين يعتبرونها من الأمور المستبعدة أو المستحيلة.

ومن هذا قول ابن قدامة رحمه الله] إن الردة تنقض الوضوء وتبطل التيمم، وهذا قول الأوزاعي وأبي ثور، وهي الاتيان بما يخرج به عن الإسلام إما نطقًا أو اعتقادًا أو شكًا ينقل عن الإسلام، فمتى عاود إسلامه ورجع إلى دين الحق فليس له الصلاة حتى يتوضأ وإن كان متوضئًا قبل ردته [[3] . وقال ابن قدامة أيضا]والردة تبطل الأذان إن وجدت في أثنائه [[4] . وقال أيضا]لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن من ارتد عن الإسلام في أثناء الصوم أنه يفسد صومه وعليه قضاء ذلك اليوم إذا عاد إلى الإسلام سواء أسلم في أثناء اليوم أو بعد انقضائه [[5] . وقال ابن قدامة أيضا]إذا قالت امرأتُه طَلِّقني بدينار، فطلَّقها ثم ارتدت لزمها الدينار ووقع الطلاق بائنا، ولا تؤثر الردة لأنها وجدت بعد البينونة، وإن طلقها بعد ردتها وقبل دخوله بها بانت بالردة ولم يقع الطلاق لأنه صادفها بائنا [[6] . وقال أبو القاسم الخرقي]ولو تزوجها وهما مسلمان فارتدت قبل الدخول انفسخ النكاح ولامهر لها، وإن كان هو المرتد قبلها وقبل الدخول فكذلك

(1) رواه مسلم

(2) (شرح العقيدة الطحاوية) ط المكتب الإسلامي 1403هـ، ص 585

(3) (المغني مع الشرح الكبير) 1/ 168

(4) (المرجع السابق) 1/ 438

(5) (المرجع السابق) 3/ 52

(6) (المرجع السابق) 8/ 186

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت