إثمه على من أفتاه»] [1] .
وقال ابن القيم أيضا [نص الإمام الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة على أنه لايحل للرجل أن يفتي بغير علم، حكى في ذلك الإجماع] [2] .
3 -ويحرم الإفتاء على المفتي إذا جهل العرف في بعض المسائل.
قال ابن الصلاح [لايجوز له أنْ يفتي في الأيمان والأقارِير، ونحو ذلك ممَّا يتعلق بالألفاظ، إلاَّ إذا كان من أهل بلد اللاَّفِظِ بها، أو مُتنزِّلا ً منزلتَهم في الخبرة بمراداتهم من ألفاظهم وتعارفهم فيها، لأنهُ إذا لم يكن كذلك كثُر خطؤهُ عليهم في ذلك كما شهدت به التَّجربة، والله أعلم] [3] .
وفصَّل ابن القيم فقال [لا يجوز له أن يفتي في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عُرف أهلها والمتكلمين بها فيحملها على مااعتاده وعرفوه وإن كان مخالفا لحقائقها الأصلية، فمتى لم يفعل ذلك ضل وأضل، فلفظ الدينار عند طائفة اسم لثمانية دراهم، وعند طائفة اسم لاثنى عشر درهما، والدرهم عند غالب البلاد اليوم اسم للمغشوش، فإذا أقر لهم بدارهم أو حلف ليعطينه إياها أو أصدقها امرأة لم يجز للمفتي ولا للحاكم أن يلزمه بالخالصة، فلو كان في بلد إنما يعرفون الخالصة لم يجز له أن يلزم المستحق بالمغشوشة، وكذلك في ألفاظ الطلاق والعتاق، فلو جرى عرف أهل بلد أو طائفة في استعمالهم لفظ الحرية في العفة دون العتق فإذا قال أحدهم عن مملوكه «إنه حر» أو عن جاريته «إنها حرة» ، وعادتُه استعمالُ ذلك في العفة لم يخطر بباله غيرها لم يعتق بذلك قطعًا، وإن كان اللفظ صريحا عند مَنْ أَلِفَ استعماله في العتق، وكذلك إذا جرى عرف طائفة في الطلاق بلفظ التسميح بحيث لايعرفون لهذا المعنى غيره، فإذا قالت «اسمح لى» فقال «سمحت لك» فهذا صريح في الطلاق عندهم إلى أن قال - وهذا باب عظيم يقع فيه المفتى الجاهل فيغرّ الناس، ويكذب علي الله ورسوله ويغيِّر دينه، ويحرِّم مالم يحرمه الله، ويوجب مالم يوجبه الله، والله المستعان] [4] .
وقال ابن القيم أيضا [وعلى هذا أبدًا تجىء الفتاوى في طول الأيام، فمهما تجدد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألْغِهِ، ولاتجمد علي المنقول في الكتب طولَ عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تُجْرِهِ على عُرْف بلدك، وسَلْه عن عرف بلده فأجْرِهِ عليه وأفتِهِ به دون عرف بلدك والمذكور في كتبك، قالوا: فهذا هو الحق الواضح، والجمود علي المنقولات أبدًا ضلالٌ في الدين وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، قالوا: وعلى هذه القاعدة تخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات، فقد يصير الصريح كنايةً يفتقر إلي النية، وقد تصير الكناية صريحًا تستغنى عن النية - إلى أن قال - وهذا محض الفقه، ومن أفتي الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل] [5] .
(1) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 173
(2) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 210
(3) (أدب المفتي) ص115
(4) (اعلام الموقعين) ج 4 ص 228 229
(5) (اعلام الموقعين) ج 3 ص 89