فهرس الكتاب

الصفحة 1261 من 1285

تمكن الكافرون من تمزيق هذه الأمة إلى أشلاء ممزعة في هذا الزمان، قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) الشورى: 30. وهذا التفرق والتقاتل هو مصداق قوله عليه الصلاة والسلام (سألت ربي ثلاثًا، سألته أن لايُهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لايهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لايجعل بأسهم بينهم فمنعنيها) [1] . و (السنة) هي المجاعة كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) الأعراف: 130، ومعنى الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام في ألا يهلك أمته بالغرق، وألا يهلكهم بالمجاعة العامة (كما في رواية أخرى «بسنة ٍ بعامة» ) فيجوز أن تصيب المجاعة بعض بلدان المسلمين لا كلها، وهنا يجب التكافل بين المسلمين إلا أن الحدود السياسية واختلاف الأنظمة الحاكمة تحول دون هذا التكافل فأصبح أهل كل بلد ٍ يستأثرون بخيراته، إلا أن الله تعالى لم يُجِبْه في رفع البأس - وهو الشدة والتقاتل - من بين الأمة، ومقتضى ذلك أن لايزال الاختلاف والتقاتل واقعا في الأمة وهو ماتؤكده أحداث التاريخ. فإذا اختلف المسلمون وتقاتلوا سلّط الله عليهم العدو الكافر كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (إن الله زوى لي الأرضَ حتى رأيت مشارقها ومغاربها وإن مُلك أمتي سيبلغ مازُوِيَ لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي عزوجل أن لايُهلك أمتي بسنة ٍ بعامة وأن لايسلط عليهم عدوًا فيهلكهم بعامة وأن لايلبسهم شيعًا وأن لايذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يامحمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لايُرد وإني قد أعطيتك لأمتك أن لاأهلكهم بسنة ٍ عامة وأن لا أسلط عليهم عدوًا ممن سواهم فيهلكهم بعامة حتى يكون بعضهم يُهلك بعضا وبعضهم يقتل بعضا وبعضهم يسبي بعضا) وقال النبي عليه الصلاة والسلام (إني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وُضِعَ السيف في أمتي لم يُرفع عنهم إلى يوم القيامة) [2] . فاختلاف المسلمين وتقاتلهم قدر محتوم لامناص منه وتسلط العدو الكافر مترتب على ذلك. وفي هذه المسألة أحاديث أخر ذكرها ابن كثير في تفسيره [3] . والتاريخ والواقع يؤكدان ذلك كله.

ومع ذلك فقد كانت هناك فترات مضيئة في تاريخ المسلمين وارتبطت هذه دائما بتجديد الدين وظهور السنة وقمع البدع والمبتدعة كما حدث في عصر عمر بن عبدالعزيز ونور الدين محمود ومحمد ابن عبدالوهاب وغيرهم، فإنه لايصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، و (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) الرعد: 11.

(1) رواه مسلم

(2) رواه أحمد عن شداد بن أوس وقال ابن كثير: إسناده جيد قوي (2/ 141) ، ورواه البرقاني في صحيحه عن ثوبان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت