فهرس الكتاب

الصفحة 1263 من 1285

والناظر في تاريخ العالم في الخمسمائة سنة الماضية - وهو مايُسمى بالتاريخ الدولي الحديث - يخرج بعدة نتائج، هي ثمرة دراسة هذا التاريخ، ومنها:

1 -أن الشئ الأساسي الذي يحكم علاقات الدول بعضها ببعض هي القوة، لا النوايا الحسنة ولا المشاعر النبيلة، وأن السياسة الدولية هي سياسة القوة، واللغة المتداولة فيها هي لغة القوة، وقانونها الوحيد هو قانون القوة - وهذا يتفق مع نظرية هوبز في العلاقات الدولية التي أعلنها في عام 1651م -، وقد تغلّف القوة أحيانا بأقنعة جميلة وقفازات ناعمة وكلمات معسولة اسمها الدبلوماسية، ولكن تبقى القوة هي الموجه للدبلوماسية من خلف الأقنعة وكل طرف في المفاوضات الدبلوماسية والمعاهدات يحصل على نصيب ٍ بقدر قوته ولايلزم التهديد بالقوة أو التلويح بها في الدبلوماسية، بل يكفي أن يعرف كل طرف مقدار قوة الطرف الآخر ليتم المطلوب، وتبقي القوة هي الفيصل في النزاعات عند فشل الدبلوماسية. وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى بهذه الحقيقة بأوجز بيان وأبلغ عبارة فقال جل شأنه (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ) الأنفال: 60، والقوة كما أنها تنفع في القتال فإنها تنفع أيضا في منع القتال وفرض الإرادة، وهو مايُسمى بسياسة الردع - ومنه الردع التقليدي والردع النووي وحرب النجوم ... - والردع هو ماذكره الله تعالى في قوله (تُرْهِبُونَ بِهِ) . ولأجل هذا كان سباق التسلح بين الدول وكانت الحرب الباردة بينها، ولأجل هذا فإن أمريكا مستعدة لدفع مئات الملايين من الدولارات لجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق كروسيا وأوكرانيا لتفكيك أسلحتها النووية، وتفرض أمريكا الحظر على نقل التكنولوجيا التسليحية المتقدمة لمختلف الدول، وتفرض حظرًا على الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، ووضعت معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لتطبق على غيرها من الدول لا عليها ولا على حلفائها - واخترعت مايسمى بالتفتيش الدولي على الأنشطة النووية للدول وذلك لتتحكم وحدها وحلفاؤها في الردع النووي ولتبقى متربعة على عرش القوة في العالم، وتفرض أمريكا العقوبات بواسطة الأمم المتحدة على من يخالف ذلك. فإذا علمت أن السياسة الدولية هي سياسة القوة تمكنت من تفسير كثير من أحداث التاريخ الماضي والمعاصر.

2 -ولأجل تحصيل القوة كانت الدول شديدة الحرص على التحالفات عند خوض المعارك لأن التحالف يضيف قوة دولة أو دول أخرى إلى قوة الدولة التي هي أحد طرفي الصراع، وأستاذة التحالفات - بلا منازع - في القرون الماضية كانت بريطانيا فقلما دخلت حربًا وحدها بل كانت دائما تحشد الحلفاء لتنتصر ولتبقى هي الأقوى، وقد يكون عدوها بالأمس حليفها اليوم، وقد يكون حليفها اليوم عدوها غدًا، ولا قيمة للمبادئ عندهم في هذا وإنما المهم المصالح. وقد تلقت أمريكا هذا الدرس من بريطانيا وأتقنته، ففور خروجها من الحرب العالمية الثانية كإحدى القوتين العظميين في العالم أحاطت الاتحاد السوفيتي بسلسلة متصلة من الأحلاف وهي من الغرب إلى الشرق: حلف الأطلنطي ثم الحلف المركزي ثم حلف دول جنوب شرق آسيا الذي مكنها من خوض الحربين الكورية والفيتنامية. وعندما أرادت أمريكا ضرب العراق في حرب الخليج 1990 - 1991م لم تضربه وحدها - مع قدرتها على ذلك وإنما حشدت تحالفا من ثلاثين دولة، وعندما أرادت التدخل في الصومال عام 1992م حشدت تحالفا من عشرين دولة تقريبا، وذلك لاعتبارات دولية ولتدفع بجنود الدول الحليفة الضعيفة في المقدمة لتتحمل أفدح الخسائر البشرية ويسلم جنود أمريكا. وبفهم أصل هذه السياسة (سياسة التحالفات) يمكن تفسير كثير من أحداث التاريخ الماضي والمعاصر.

3 -ولأجل الاحتفاظ بالقوة، ولكي يبقى القوي قويا والضعيف ضعيفا، كان المنتصرون يملون شروطهم على المهزومين في المعاهدات التي تعقد عقب الحروب بما يحقق هذا، وهذه الشروط نسخة مكررة ومعادة في كل حرب، وهي: تقسيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت