أرض الدولة المهزومة وتخفيض عدد أفراد جيشها وتخفيض تسليحه وإلزام الدولة المهزومة بدفع تعويضات مالية تنهكها لسنوات طويلة، أملى الحلفاء المنتصرون هذه الشروط على ألمانيا المهزومة في الحرب العالمية الأولى وفرضوا على ألمانيا ألا تتحد مع النمسا أبدا، ثم أملوها على ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية ومازالت بعض هذه الشروط سارية المفعول إلى اليوم، وهذه الشروط نفسها تطبق على العراق اليوم. بل أحيانا يملي المنتصر سياسته وأيديولوجيته على المهزوم كما فعلت أمريكا باليابان في الحرب العالمية الثانية إذ استقبل الجنرال الأمريكي ماك آرثر - قائد قوات الحلفاء في جنوب شرق آسيا - استقبل امبراطور اليابان هيروهيتو على ظهر البارجة ميسوري في 14/ 8/ 1945، وأذلّه وأهانه وأملى عليه شروط استسلام اليابان، وهي السابقة بالإضافة إلى نزع الصلاحيات المطلقة للامبراطور وتطبيق النظام الديمقراطي الغربي، وأقام ماك ارثر في اليابان ليشرف بنفسه علي تطبيق النظام الديمقراطي فيها.
4 -ولأجل الاحتفاظ بالقوة يضع المنتصرون أسسا لسياسة العالم بما يحقق مصالحهم، فبعد الحرب العالمية الأولى أنشأ المنتصرون (عصبة الأمم) عام 1920م كنادٍ لهم يفرضون من خلاله سياستهم على العالم، ثم أنشأوا (هيئة الأمم المتحدة) عام 1945م بعد الحرب العالمية الثانية، ليتخذ المنتصرون مايشاءون من قرارات باسم المنظمة الدولية أي باسم العالم كله، واحتفظ المنتصرون لأنفسهم - دون سائر دول العالم - بما يسمى بحق النقض - (الفيتو) - ليعترضوا على أي قرار يمكن أن يضر بمصالحهم أو بمصالح حلفائهم، وحتى لاتستخدم المنظمة الدولية - وهي من صنع أيديهم - ضدهم. واليوم وبعد تفرد أمريكا بالقوة في العالم تريد أن تفرض سياسة جديدة عليه وهي مايسمى بالنظام العالمي الجديد، وهو نظام العصا الأمريكية الغليظة الطويلة المغلفة بأغلفة ناعمة براقة اسمها حماية حقوق الإنسان وحماية الديمقراطية والشرعية الدولية التي هي طاغوت من الطواغيت.
5 -والناظر في التاريخ يجد أن قوة الدول - وهي المتحكمة في العلاقات الدولية كما ذكرنا - نوعان: قوة ذاتية وقوة إضافية.
أ - أما القوة الذاتية للدولة: فهي محصلة قوتين: قوة معنوية وأخرى مادية.
أما القوة المعنوية: فهي أن يكون لدى أهل هذه الدولة عقيدة - ولو فاسدة - تدفعهم إلى طلب المعالي وإلى الرغبة في التفوق على الآخرين. وأحيانا يبث قادة الدول عقائد فاسدة في شعوبهم لتحقيق ذلك، كالتغني بمجد الأجداد، وكادعاء حق شعب معين في أرض معينة كدعوى اليهود في أرض فلسطين، وكعقيدة تفوق جنس على جنس، كتفوق الجنس الأبيض على غيره وكان هذا من بواعث الاستعمار الحديث، عندما وضع الانجليزي هربرت سبنسر نظريته التي تمثل التطبيق الاجتماعي لنظرية التطور لدارون، والتي تنص على أن البقاء للأقوى، فأصبح من حق القوي أن يأكل الضعيف الذي ليس له حق في الحياة لأنه عاهة في سبيل التقدم البشري، وبتطبيق هذا على الدول تم تبرير الاستعمار لتأكل الدول القوية الدول الضعيفة باسم التقدم.
وأما القوة المادية: فتعتمد على ركنين: كثرة المال وكثرة العدد، وقد ذكرهما الله تعالى في أكثر من آية كأركان للقوة، منها قوله تعالى (كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلاَدًا) التوبة: 69، وقوله تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا) الإسراء: 6، ونحوها من الآيات.
ولهذا فإن الدول في سعيها نحو القوة تسعى لتكثير أموالها وأعدادها، وقد يكون هذا بتشجيع التناسل كما تفعل إيران اليوم، أو بتشجيع الهجرة إليها كما تجلب إسرائيل الآن يهود العالم إليها، أو بتوحيد عدة دول في دولة كما فعل كافور في توحيد ايطاليا 1866م، وكما فعل بسمارك في توحيد ألمانيا 1871م، وكما فعل قياصرة روسيا في تأسيس روسيا والتي كانت في يوم ٍ ما عبارة عن إمارة موسكو فقط في عهد ايفان الثالث 1481م. وكما فعل لنكولن في توحيد