الولايات الشمالية مع الولايات الجنوبية عقب الحرب الأهلية الأمريكية (1860 - 1865 م) . وأمثلة هذا كثيرة، ولعل أهمها اليوم سعي الدول الأوربية لإنشاء أوربا الموحدة عام 1999م بدلا من السوق الأوربية المشتركة المحصورة في التعاون الاقتصادي.
وفي المقابل فإنه عندما تسعى دولة لإضعاف أخرى فإنها تسعى في إفقارها واستنزاف أموالها كما تسعى في تقليل عدد سكانها وعدد جيشها، وقد يتم هذا بالإبادة الجماعية كما فعل الأوربيون الذي استوطنوا أمريكا بسكانها الأصليين من الهنود الحمر، وقد يكون هذا بالارهاب كما فعل اليهود قبيل عام 1948م وبعده بسكان فلسطين لدفعهم إلى ترك أراضيهم بالمذابح الجماعية التي أوقعوها بهم، وقد يكون الإضعاف بالتقسيم كما تفرض الدول المنتصرة على الدول المهزومة تقسيم أراضيها وإجبارها على دفع تعويضات مالية باهظة، بهذا تم تقسيم أراضي الدولة العثمانية إلى دول شرق أوربا وإلى الدول العربية الحالية، وبهذا تم تقسيم المانيا عقب الحرب العالمية الثانية إلى شرقية وغربية، وبهذا تقسم أراضي البوسنة حاليا 1993م، والأمثلة كثيرة. هذا مايتعلق بالقوة الذاتية والتي أهم عناصرها: الثروة وعدد السكان، ولها عناصر أخرى لعل أهمها الإدارة الرشيدة للدولة ثم مساحة الأرض وطبوغرافيتها وموقع الدولة وغيرها.
ب - أما القوة الإضافية للدولة: فهي القوة الناشئة عن تحالفات الدولة مع غيرها من الدول، وعلاقاتها الخارجية. وهذه كلها تعتمد أساسا على القوة الذاتية للدولة، فالدول الأخرى ترغب في التحالف مع القوى لا الضعيف، وكانوا في الجاهلية إذا حالف الرجل قبيلة فرأى أخرى أقوى منها نقض حلفه مع الأولى وحالف الأقوى، فذم الله نقض العهود في قوله تعالى (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ) النحل: 92.
وهذا وغيره - وإن كانت حقائق قرآنية - تستفيده من دراسة التاريخ.
6 -ومن النتائج التي يخرج بها دارس التاريخ الدولي الحديث: أن الحضارة الغربية هي حضارة لا أخلاقية تتبع السياسة الميكافيللية - نسبة إلى نيقولا ميكافيللي 1527م - والتي تتلخص في أن الغاية تبرر الوسيلة، لايراعون مبدأ ولا عهدًا، بل لايحسبون حسابا إلا للقوة، أما الضعيف فينقضون معه العهود والمواثيق المغلظة، بل يبيدونه إذا لزم الأمر كما أباد الأوربيون القادمون لأمريكا سكانها الأصليين من الهنود الحمر، ثم استقدموا العبيد من افريقيا ليزرعوا لهم الأرض وليرعوا لهم المواشي وليشيدوا لهم المدن، فلما استنفذوا حاجتهم من العبيد أعادوهم إلى افريقيا حتى لايشاركوهم الثمرة في أمريكا، وفعلوا هذا باسم تحرير العبيد، وسمّوا الرئيس الأمريكي لنكولن بمحرر العبيد، فأعادوا العبيد إلى افريقيا وأنشأوا لهم دولة سموها (ليبيريا) أي الحرية. وكلها ألفاظ خادعة وسياسة خادعة. ثم استعملوا الإبادة الجماعية مع أهل اليابان في الحرب العالمية الثانية بقصفهم بالقنابل الذرية، حتى أن انديرا غاندي رئيسة وزراء الهند السابقة قالت ذات يوم: هل لو كان شعب اليابان من أصحاب البشرة البيضاء هل كانت أمريكا ستلقي عليهم القنابل الذرية؟. تشير بذلك إلى عقيدة التمييز العنصري الراسخة في أذهان الأوربيين والأمريكيين، وهي عقيدة تفوق الجنس الأبيض على غيره من الأجناس ذوات البشرة الملونة التي يجب أن تخدمه، ثم استعملوا الإبادة الجماعية مع شعب فيتنام حتى أن الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون تعهد بإعادة فيتنام إلى العصر الحجري، يشير إلى تصميمه على إبادة كل معالم المدنية بها، وقد جاء في بعض التقديرات أن أمريكا ألقت على فيتنام - خلال الحرب التي استمرت عشرين عاما (1955 - 1975) - كمية من القنابل أكثر من جميع القنابل التي استخدمتها أطراف الصراع كلها في الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) .
ومما يدلل على لا أخلاقية الحضارة الغربية، حرب الأفيون التي نشبت في منتصف القرن الميلادي الماضي (1839 -