1842) والتي تبين عبادة هذه الحضارة للمال والسعي في تحصيله بأي صورة ولو بتدمير إنسانية الشعوب الأخرى، فقد كانت انجلترا وأمريكا تجلبان الأفيون من أنحاء العالم لبيعه لشعب الصين ذي الكثافة العددية، وفي عام 1839 قام امبراطور الصين باحراق مخازن الافيون التي يمتلكها التجار الأجانب في بلاده بسبب الدمار الذي لحق بشعبه، فأعلنت انجلترا الحرب على الصين وانتصرت عليها وأرغمتها على فتح أسواقها لتجارة المخدرات وحصلت انجلترا من الصين على ميناء هونج كونج وحولته إلى مستعمرة انجليزية في أرض الصين وإلى اليوم، وتبعتها أمريكا في فرض الشروط على الصين، وأمريكا التي تزعم محاربتها لتجارة المخدرات اليوم كانت تجارتها الوحيدة مع الصين لمدة قرن من الزمان في المخدرات.
هذه هي الحضارة الغربية التي تتغنى بالشعارات الجميلة كذبًا تخفي وراءه قبحها ولا أخلاقيتها، فهي حضارة السلب والنهب وامتصاص ثروات الشعوب الضعيفة واعتصارها، وهي حضارة الإبادة الجماعية وتجارة المخدرات وخيانة العهود.
7 -ومن النتائج التي يخرج بها دارس التاريخ الدولي الحديث: أن القويّ لايعدم حيلة لتحقيق مآربه ولقهر الضعفاء، فقديمًا تم تبرير الاستعمار الأوربي لسائر دول العالم باسم محاربة التخلف ومساعدة الدول المتخلفة على التقدم، واليوم لاتعدم أمريكا حيلة لتبرير تدخلها في الدول الأخرى، فمرة تتدخل باسم محاربة المخدرات كما تدخلت في بنما واعتقلت رئيسها نورييجا في حين كانت تجارة أمريكا مع الصين لمدة مائة سنة في المخدرات، ومرة تتدخل أمريكا باسم حماية النظم الديمقراطية كما تدخلت في جرينادا، وكأن جورج واشنطن أول رئيس لأمريكا قد وصل إلى الرياسة بالطرق الديمقراطية؟، ومرة تتدخل أمريكا لأسباب إنسانية كما تدخلت في شمال العراق والصومال، وكأن أمريكا كانت إنسانية عندما أبادت ملايين الهنود الحمر من سكان أمريكا الأصليين؟، ومرة ترفع أمريكا سيف محاربة الإرهاب في وجه من لايلف لَفّها من الدول، وكأن أمريكا لم تكن إرهابية عندما ألقت القنابل الذرية على اليابان عام 1945، وعندما أبادت سكان فيتنام في حرب دامت عشرين عاما؟. وكأن إسرائيل - التي تتعهد أمريكا بسلامتها - إنسانية وغير إرهابية؟. وفي الجملة فإن القوي لايعدم حيلة لتبرير إجرامه، وهو يغير مبادئه من الشيء إلى نقيضه، ويفرض على الضعفاء مايشاء.
8 -ومن النتائج التي يخرج بها دارس التاريخ الدولي الحديث - والقديم على السواء - شدة اختلاف الكفار فيما بينهم بما يؤدي إلى اشعال الصراعات المدمرة بينهم، ومثال ذلك الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945م) - والتي كانت أطراف الصراع فيها كلها من الكفار - سقط فيها خمسون مليون قتيل في مختلف أنحاء العالم، ومن قبل سقط عشرة ملايين قتيل في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م) . وهذا كله مصداق قوله تعالى - في الكافرين - (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) الحشر: 14،وقوله تعالى (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) المائدة: 14، وقوله تعالى (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) المائدة: 64.
9 -ومع اختلاف الكفار فيما بينهم إلا أنهم يتحدون عند مواجهة المسلمين، كما كان يوحدهم بابا روما في الحروب الصليبية الأولى، وكما كانوا يتحدون فيما يسمى بالحلف المقدس عند محاربة الدولة العثمانية، وهو الحلف الشيطاني النجس، فإنما هم حزب الشيطان وإنما المشركون نجس، فهُم يتناسون خلافاتهم أو يؤجلونها عند مواجهة الإسلام. قال تعالى (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً) التوبة: 36، وقال تعالى (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) الأنفال: 73. ولقد أحصيت الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية منذ تأسيسها على يد عثمان بن أرطغرل عام 1300م وحتى عام 1900م فوجدتها ستين حربًا في ستمائة سنة بمعدل حرب