واحدة كل عشر سنين، كانت معظمها ضد النصارى في أوربا وروسيا، حتى تمكنوا من تمزيق الدولة العثمانية ولكن بعدما خربت من داخلها، فقد قال تعالى (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ) النساء: 79، وقال تعالى (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) الشورى: 30، فلا يتمكن الكافرون من المسلمين إلا إذا فسد المسلمون من داخلهم أولا، كما دلت عليه الآيات السابقة، وكما أخبرنا الحق جل وعلا عن ضعف كيد الكافرين للمؤمنين الخلصاء في قوله تعالى (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) النساء: 76، وقال تعالى (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ) آل عمران: 111، وقال تعالى (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) آل عمران: 120، وقال تعالى (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) الفتح: 22 - 23، فهذه سنة قدرية لاتتخلف ماوجدت أسبابها، فإن تخلفت أسبابها فلتخلف أسبابها أي لنقص الإيمان كما قال تعالى - في هزيمة أُحدٍ - (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) آل عمران: 165. وقد بين ابن القيم رحمه الله هذه الحقيقة أجلى بيان عند كلامه في أسباب خذلان المؤمن وظهور عدوه الكافر عليه [1] ، ونقلها عنه صديق حسن خان [2] .
10 -والناظر في التاريخ يرى الدمار الهائل الذي يصبه الله على الكافرين في مختلف البلدان - والذي لايقارن أبدا بالكوارث التي تصيب المسلمين -، سواء كان هذا الدمار بسبب الحروب أو بسبب الظواهر الكونية كالزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير والصواعق وغيرها. وهذا الدمار الذي يحل بالكافرين في الدنيا هو مصداق قوله تعالى (وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَاتِيَ وَعْدُ اللّهِ) الرعد: 31، وقال تعالى (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) السجدة: 21. فانظر كيف يعذبهم الله في الدنيا قبل الآخرة لعلهم يتوبون؟.
11 -والناظر في التاريخ الدولي الحديث يجد أن الحضارة الغربية - بل الكفارعموما - لا يعرفون إلا إلهًا واحدًا هو المال، والذي في سبيل تحصيله والاستئثار به يرتكبون أقبح الفظائع، فهم يسمون أنظمتهم بالرأسمالية لأن رأس المال هو معبودهم، وماكان الاستعمار الحديث إلا وسيلة لاستنزاف خيرات المستعمرات ومنها أنشأت الدول الاستعمارية بنيتها الأساسية والتحتية وأقامت صناعاتها العريقة، وما الربا إلا وسيلة يمتص بها الأغنياء أموال الفقراء دولًا كانوا أو أفرادًا، وماالحروب التي يشعلونها في مختلف أنحاء العالم إلا وسيلة لاستنزاف أموال الدول الفقيرة (المسماة بالنامية) في شراء الأسلحة من الدول الغنية فتدور مصانع أسلحتها وتمتلئ خزائن أموالها وتصرف مخزونها الراكد من الأسلحة القديمة، ولا يتورع الغرب عن قتل من يحاول الإضرار بمصالحه الاقتصادية كما قتلوا باتريس لومومبا في الكونغو 1962، وقتلوا سلفادور أليندي في تشيلي 1973، عندما حاولا تأميم بعض الاحتكارات الغربية. قال تعالى (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) البقرة: 212، قال تعالى (لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء) آل عمران: 181. والكفار وإن كانوا يعبدون المال في الظاهر إلا أنهم - وكل كافر - يعبدون الشيطان على الحقيقة فهو الذي يزين لهم
(1) وذلك في كتابه (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) ج 2 ص 180 - 200، ط دار المعرفة
(2) في كتابه (الدين الخالص) 2/ 415 - 428 ط مكتبة دار التراث بالقاهرة