فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 1285

أ. معرفة معنى الشهادتين ليست شرطا للحكم بالإسلام:

بمعنى أنه إذا أراد شخص الدخول في دين الإسلام فلايجب اختباره في هذا الأمر ليُحكم له بالإسلام، وكذلك إذا كان شخص ظاهره الإسلام فلايجب اختباره في معرفة معني الشهادتين لإثبات حكم الإسلام له. والدليل على عدم وجوب الاختبار في هذا الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِلَ إسلام من أسلم دون إلزام بهذا الاختبار وأجرى عليهم أحكام الإسلام ثم كانوا يتعلمون مايجب عليهم بعد ذلك، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد رضي الله عنهما (أقتلته بعدما قال لاإله إلا الله) [1] ، فجعل مجرد النطق بالشهادة عاصمًا لصاحبه وهذا حكم له بالإسلام.

وماورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من اختباره بعض الأشخاص، فقد كانت حالات معدودة لاتعتبر هي الأصل مع عدم اختباره لعشرات الآلاف ممن أسلموا في حياته صلى الله عليه وسلم، واختبار بعض الأشخاص يجوز أو يجب لأسباب معينة، فحديث الجارية والذي قال فيه صلى الله عليه وسلم (أعتقها فإنها مؤمنة) [2] ، كان سبب الاختبار هو أن الإيمان الحكمي شرط في صحة العتق، فإن الله تعالى قد أوجب - في بعض الأمور - عتق الرقيق المؤمن كقوله تعالى (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) النساء: 92. وتبيُّن إيمان الجارية هنا هو كما يتبيّن القاضى إسلام الشهود وعَدَالتهم ليجيز شهاداتهم ويقبلها فهذا واجب عليه. وهذا الكلام يقال في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) الممتحنة: 10، مع ماورد في تفسيرها، فهذه المواضع ونحوها يجب فيها الاختبار، وهذا هو (التبيُّن الشرعي) .

أما من كان يريد الدخول في الإسلام أو من كان ظاهره الإسلام (وهو المسلم مستور الحال) فهذا لايجب اختباره في معرفة معنى الشهادتين لأجل الحكم بإسلامه في الدنيا، ومن قال بهذا فهو مبتدع، وهذا هو (التبيُّن البدعي) . واشتراط هذه المعرفة لأجل الحكم بالإسلام يشبه اشتراط المتكلمين تعلم الأدلة العقلية كشرط لصحة الإيمان، وهو شرط باطل كما قال ابن حجر رحمه الله [قال الغزالي: أسرفت طائفة فكفّروا عوام المسلمين، وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرّروها فهو كافر، فضيّقوا رحمة الله الواسعة. وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين. وذكر نحوه أبو المظفر بن السمعانى وأطال في الرد على قائله، ونقل عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا: لايجوز أن تكلَّف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها لأن في ذلك من المشقة أشدّ من المشقّة في تعلم الفروع الفقهية. - إلى أن قال ابن حجر - وقال بعضهم: المطلوب من كل أحد التصديق الجزمى الذي لاريب معه بوجود الله تعالى والإيمان برُسُلهِ وبما جاءوا به كيفما حَصَل وبأي طريق إليه يوصل، ولو كان عن تقليد محض إذا سلم من التزلزل. قال القرطبي: هذا الذي عليه أئمة الفتوى ومَنْ قَبلهم من أئمة السلف، واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة وبما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب ممن كان يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين، والتزام أحكام الإسلام من غير إلزام بتعلم الأدلة.] [3] .

ب. معرفة معنى الشهادتين شرط لصحة الإسلام على الحقيقة: أي الإسلام الذي ينفعه عند الله تعالى في الآخرة. ومن هنا قال الغَزَّالي - في كلامه المذكور آنفا - إنه يجب على الرجل إذا بلغ فَهْم ُ معنى الشهادتين، وإنما كان هذا واجبا لأسباب:

(1) الحديث متفق عليه

(2) رواه مسلم

(3) (فتح الباري) ج 13 ص 349 - 353 - - وقال النووي رحمه الله كلامًا قريبًا من هذا (صحيح مسلم بشرح النووي) ج 1 ص210 - 211. وكرر ابن حجر هذا المعنى في شرحه للأحاديث (20 و 25) . وسوف يأتي مزيد بيان في مسألتي (التبيّن الشرعي) و (التبيّن البدعي) في أواخر مبحث الاعتقاد بالباب السابع من هذا الكتاب إن شاء الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت