فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 1285

• منها أن مالايتم الواجب إلا به فهو واجب. فوجب على العبد أن يعلم أن معنى الشهادتين هو توحيد الألوهية واجتناب الشرك وتجريد متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذا هو الواجب الحقيقي على العبد - لامجرد النطق بالشهادتين-وقد دل على هذا الواجب: قوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل: 36، وهذه الآية تفسِّر معنى شهادة (لا إله إلا الله) ، فوجب العلم بمعناها ليأتي العبد بمايجب عليه من حقيقتها.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حَقُّ الله على العباد أن يعبدوه ولايشركوا به شيئا) [1] . وهذا أيضا يفسِّر معنى شهادة (لا إله إلا الله) .

• أن الشهادة لا تعتبر شهادة في اللغة وفي الشرع إلا بالعلم بالمشهود عليه، يدل على هذا قوله تعالى (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) الزخرف: 86، فلابد من العلم لتصح الشهادة. وقد دل على وجوب هذا العلم بمعنى الشهادة أدلة أخر منها:

قوله تعالى (هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) إبراهيم: 52.

وقوله صلى الله عليه وسلم (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) [2] ، فجعل العلم بمعنى الشهادة من شروط دخول الجنة وانتفاع العبد بالشهادتين على الحقيقة، إذ إن العلم بالمعنى هو مفتاح العمل بما توجبه الشهادتان.

• أن العرب الذين بُعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أهل اللسان والفصاحة والبيان، بل من كلامهم تؤخذ شواهد - أي أدلة - قواعد اللغة العربية، كما في شواهد كتب أئمة اللغة، وقد فهم هؤلاء العرب معنى الشهادتين، وأن لا إله إلا الله تعني توحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طالبهم بالشهادتين، قال كفارهم - كما حكى الله تعالى - (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) ص: 5، فعلموا أن المراد بالشهادة خلع الآلهة الأخرى، فإذا كان هذا هو فهم من كفر من هؤلاء العرب فكيف بمن أسلم منهم؟.

فهذا كله يدل على وجوب العلم بمعنى الشهادتين ليتمكن من العمل بموجبهما ولايقع فيما يناقضهما. وهذا يرجع إلى ما قررناه أولا من وجوب العلم قبل القول والعمل.

وهذا كله على الحقيقة التي ينتفع بها العبد عند الله، أما في أحكام الدنيا فمن نطق بالشهادتين فهو مسلم مالم يُعلم منه ناقض من نواقض الإسلام، وحسابه على الله تعالى.

وأودُّ أن أنبِّه تنبيها شديدًا - في هذا المقام - على وجوب تعليم عموم المسلمين معنى الشهادتين، خاصة في هذا الزمان الذي عمَّت فيه البلوى بالشرك المناقض للتوحيد في شتى بلدان المسلمين في صورٍ من أخطرها:

• الشرك في التشريع: فإن التشريع للخلق هو حق خالص لله تعالى، فلا يُشَرِّع إلا الربُّ جل وعلا قال تعالى (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) الكهف: 26، فمن شرّع للناس مالم يأذن به الله فقد جعل نفسه ربًا لهم، وجعل نفسه شريكا لله تعالى في التشريع للخلق، قال تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) الشورى: 21، والدين - في أحد معانيه - هو نظام حياة الناس وشرعهم حقًا كان أو باطلا، لأن الله سَمَّى ماعليه الكفار من الكفر والضلال دينا، وذلك في قوله تعالى (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) الكافرون:6.

ومن صور الشرك في التشريع في هذا الزمان: انتحال طوائف من البشر حق التشريع للناس، ومن هؤلاء واضعو القوانين الوضعية من خبراء القانون وأعضاء البرلمانات التشريعية ورؤساء الدول، فهؤلاء هم في الحقيقة أرباب مشرِّعون من دون الله. وعوام المسلمين في غفلة عن هذا الشرك الأكبر ويشاركون في نصب هؤلاء الأرباب بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية والمشاركة في الاستفتاءات لاختيار رؤساء الدول. وهذا كله يناقض قول (لا إله إلا الله) ، ومِنَ العوام مَنْ يقع في هذا الشرك لجهله بمعني (لا إله إلا الله) ، ومنهم مَنْ لو عرف معناها لاحتاط لنفسه، وهذا ينبهك إلى أهمية تعليم عموم المسلمين معنى الشهادتين.

(1) متفق عليه

(2) رواه مسلم عن عثمان رضي الله عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت