بدأت كتابة العلوم الشرعية بجمع القرآن، وكان سبب ذلك خشية ضياع شيء منه بسبب موت الحفاظ. فقد روى البخاري [عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: إن عمر أتانى فقال إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بقُراء القرآن، وإني أخشى إن استمر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح الله صدرى لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجلٌ شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبَّع القرآن فاجمعه] [1] .
وإذا كان جمع القرآن قد تم في خلافة أبي بكر رضي الله عنه (توفي 13 هـ) وانتشرت المصاحف، فإن جمع السنة تأخر حتى نهاية القرن الأول الهجري وكان الاعتماد على السماع والحفظ وذلك لأن كتابة العلم كانت موضع خلاف بين السلف، كما قال ابن حجر: [لأن السلف اختلفوا في ذلك عملًا وتركا وإن كان الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم بل على استحبابه بل لايبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم] [2] . وقال ابن حجر أيضا: [قال العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دَوَّنوه] [3] .
وسبب اختلاف السلف في كتابة الحديث تعارض الأدلة الواردة في المسألة فقد روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) [4] . ومع هذا فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة في الكتابة كعبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، وذلك فيما رواه البخاري [عن أبي هريرة رضي الله عنه قال مَا مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحدٌُ أكثرَ حديثا عنه مِني، إلاما كان من عبدالله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب] [5] . وورد إذن النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة عنه صريحًا، وذلك يوم فتح مكة فقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة الفتح فطلب أحد الصحابة أن تُكتب له هذه الخطبة، وذلك فيما رواه البخاري قال [فقام أبو شاه ٍ - رجل ٌُ من أهل اليمن - فقال: اكتبوا لي يارسول الله؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه ٍ] [6] . وعلى هذا حَمَل العلماء حديث مسلم في النهي عن كتابة الحديث على أنه خاص بزمن نزول القرآن خشية التباسه بغيره أو أنه منسوخ بما ورد من الإذن في الكتابة [7] .
ومع نهاية القرن الأول الهجري أخذ السلف في تدوين الحديث ثم دُوِّن الفقه بعد ذلك، ثم الأصول بعده.
وإنما أخذ المسلمون في الكتابة خشية النسيان ولقصور الهمم عن الحفظ يدل على هذا ما أمر به عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه من جمع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتدوينها، حيث كتب إلى عماله يأمرهم بذلك زمن خلافته (99 - 101 هـ) ذكر هذا البخاري رحمه الله في كتاب العلم من صحيحه، في باب (كيف يقبض العلم؟) قال: وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى أبي بكر بن حزم [انظر ما كان من حديث رسول صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولاتقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولتُفْشوا العلم ولتجلسوا حتى يعَلَّم من لايَعْلَم، فإن العلم لايَهْلِك حتى يكون سِرًّا] أهـ. ومعنى
(1) الحديث (رقم 4986)
(2) (فتح الباري) ج 1 ص 204
(3) (فتح الباري) ج 1 ص 208
(4) صحيح مسلم بشرح النووي، 18/ 129
(5) (حديث 113)
(6) الحديث (2434)
(7) انظر (فتح الباري ج 1 ص 208)