خامسا: فقه السيرة.
شاع في الآونة الأخيرة تأليف كتب بعنوان (فقه السيرة) ، ولم يؤلف السلف في هذا الموضوع بهذا العنوان، وذلك لأن كثيرًا من أحداث السيرة منقولة بأسانيد ضعيفة إما مرسلة وإما منقطعة لايحتج بها في الأحكام، أما الأخبار الصحيحة منها فبعضها دخله النسخ. ولهذا لاينبغي للعوام - فضلا عن أهل العلم - أن يطلقوا لأنفسهم أعنة الاستنباط من أحداث السيرة، إذ وقع خلط كبير من وراء هذا المنهج في هذا الزمان، حتى أصبحنا نرى من يقول نحن الآن في زمان كالعهد المكي لايجب علينا الجهاد، في حين يجد أهل بلدٍ مجاور في أنفسهم القدرة على الجهاد فتنطبق عليهم أحكام العهد المدني بوجوب الجهاد، فيكون أهل هذا البلد في العهد المكي وأهل البلد المجاور في العهد المدني، أو قد تتبدل العهود على أهل البلد الواحد من حين لآخر، وكل هذه الأعاجيب المضحكة سمعناها في هذا الزمان، وسَوَّد بها صفحات الكتب مؤلفون من العوام وممن لهم انتساب للعلم الشرعي، ولا يوجد في الفقه والأحكام شئ اسمه العهد المكي والعهد المدني، فالشريعة قد اكتملت بوفاة النبي عليه الصلاة والسلام وماكان واجبا على المسلمين يوم وفاته فهو واجب عليهم إلى يوم القيامة، أما من عجز عن أداء الواجب فلا يقل إنه في العهد المكي، ولكن تسري عليه القاعدة الفقهية التي تنص على أنه (لا واجب مع العجز) والقاعدة المكملة لها (الميسور لايسقط بالمعسور) . ومن أجل هذا الخلط الوارد في كتابات كثير من المعاصرين فلا أوصي بقراءة شئ من كتبهم سواء كان عنوانها (فقه السيرة) أو (المنهج الحركي للسيرة النبوية) ونحو ذلك.
وأحب أن أنبه على أن الأخبار الصحيحة المحتج بها من السيرة موجودة بكتب الحديث كالكتب الستة وغيرها، وإذا قرأ الطالب حديثا فيها فينبغي أن يقرأ شرحه، فقد يكون هذا الحديث دخله النسخ أو التخصيص ونحو ذلك. وأعود فأكرر أن الأحكام ينبغي أن تؤخذ في المقام الأول من كتب الفقه.
وقد اعتنى بعض السلف بذكر الأحكام الفقهية المستفادة من بعض أحداث السيرة، فعل هذا السُّهيلي في (الروض الأنف) ، وفعل هذا ابن القيم في (زاد المعاد) ، وهؤلاء علماء فقهاء يعتبر كلامهم. إلا أن أحدًا لم يكتب باسم (فقه السيرة) ، لأن الفقه لايؤخذ من السيرة وحدها، الفقه له أدلة معروفة وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس ثم أدلة أخرى أدنى مرتبة.
وبعد:
فهذه أهم الكتب التي كتبت في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وأموره وأحواله وصفاته. والذي نوصي به طالب العلم منها:
1 - (سيرة النبي عليه الصلاة والسلام) لابن هشام.
2 - (الروض الأنف شرح سيرة ابن هشام) للسهيلي.
3 - (زاد المعاد) لابن القيم، المطبوع مع تخريج أحاديثه للأرناؤط.
4 - (الشفا) للقاضي عياض، طبعة الحلبي بتحقيق علي البجاوي.
5 - (الصحيح المسند من دلائل النبوة) لمقبل بن هادي الوادعي.
6 - (قراءة جديدة للسيرة النبوية) لمحمد رواس قلعه جي.
فينبغي لطالب العلم أن يطالع هذه الكتب، أما العامة فيكفيهم أحد كتابين:
1 - (الدرر في اختصار المغازي والسير) لابن عبدالبر، ط دار المعارف بمصر بتحقيق د. شوقي ضيف.
2 -أو مختصر السيرة لمحمد بن عبدالوهاب، وهو ضعف كتاب (الدرر) في الحجم.