إلا أن هذه الأدلة يجب تقييدها بأدلة أخرى، إذ إن كلمة (العلم) - في حديث أنس (طلب العلم فريضة على كل مسلم) - هي اسم جنس مُعَرَّف بأل وهي من صيغ العموم، وإن قيل (أل) للعهد فلا معهود ينصرف إليه اللفظ إلا العلم الشرعي، وهذا لاينفي العموم عن اللفظ، وهذا يعني استغراق اللفظ لجميع العلوم الشرعية وأنها فرض عين على كل مسلم، وليس الأمر كذلك فإن هذا العموم مقيد بالأدلة المذكورة في المسألة الثانية من هذا الفصل (وجوب العلم قبل القول والعمل) كقوله تعالى (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) هود: 47- كما ذكره القرافي - وكقوله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) [1] . فدلت هذه الأدلة ومنها الإجماع الذي نقله القرافي على أن القدر الواجب من العلم علي كل مسلم هو مالا يتمكن من أداء ماتعين عليه فعله إلا بتعلمه. وهذا يخصص عموم لفظ (العلم) في حديث (طلب العلم فريضة على كل مسلم) .
كما يخصصه قوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة: 122، فالحديث أمر جميع المسلمين بطلب العلم، والآية أمرت بعض المسلمين - لاجميعهم - بالتفقه، فدل الحديث على فرض العين من العلم وهو مايجب على كل مسلم، ودلت الآية على فرض الكفاية من العلم، كما ورد في كلام العلماء في أقسام العلم في الفصل السابق.
(1) رواه مسلم