[السُّؤَالُ] ـ [اثنان يذهبان للصلاة من نفس الشقة في إحدى العمارات إلى نفس المسجد، فإن نزل أحدهما بالمصعد ونزل الآخر على السلم مع قدرته أن ينزل بالمصعد بدعوى أن له أجرا أكبر من باب أن الأجر على قدر المشقة فكان رد الآخر أن المشقة المقصودة عندما يضطر الإنسان لها ويتحملها من أجل العبادة، أما أن يتكلف المشقة في حين أن الله قد يسر الأمر له فذلك يخالف اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم للأيسر ما لم يكن إثما ويقع تحت باب إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه فما فصل الخطاب في هذا الأمر؟] ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن هذه المسألة ليست من باب تعذيب المرء نفسه، ولا من باب الاضطرار إلى الأمر وتحمله، بل هي من باب اختيار كثرة الخطا إلى المساجد رجاء أن تكتب له خطوات أكثر إلى المسجد، ففي صحيح مسلم عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رجل لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد جمع الله لك ذلك كله.
قال النووي رحمه الله تعالى: فيه إثبات الثواب في الخطا في الرجوع من الصلاة كما يثبت في الذهاب. انتهى
وعليه، فإن اختيار الشخص المذكور الذهاب إلى المسجد عن طريق السلم مفضلًا لها عن المصعد ليس داخلًا في تعذيب النفس، ولا في مسألة اختيار الأيسر، بل هو من باب اختيار كثرة الخطا إلى المساجد، وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في كثرة الخطا إلى المساجد، وذكر أن ذلك مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، وجاء في حديث ابن مسعود الذي رواه النسائي وغيره: ولقد رأيتنا نقارب بين الخطا. قال في شرح سنن النسائي عند شرحه للحديث المذكور: نقارب بين الخطا: أي تحصيلًا لفضلها، وينبغي أن يكون اختيار أبعد الطرق مثله. اهـ
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الإمام مالك في الموطأ: فإن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا، قالوا: لم يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كثرة الخطا. اهـ
وخلاصة الأمر أن كثرة الخطا إلى المسجد مندوب إليها، وأنه كلما كانت أكثر كان الأجر أعظم، كما سبق بيانه في الفتوى رقم: 27584.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 17 شعبان 1426