في الكشاف [1] في قوله تعالى: {تَحِلَّةَ أَيْمََانِكُمْ} [2] تحلة القسم فيه معنيان الاستثناء من حلل فلان في يمينه إذا استثنى ومنه حلا أبيت اللعن أي استثن وذلك أن يقول إن شاء الله حتى لا يحنث، الثاني تحليلها بالكفارة، ومنها حديث: «لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم» . وقول ذي الرمة [3] : [من الطويل] :
قليلا كتحليل الألي ثمّ قلّصت
انتهى وهذا أصلها، ثم عبر بها عن التقليل وعدم المبالغة في الشيء كما في شعر ذي الرمة. وأما الحديث المذكور فقال فيه أبو عبيدة يريد قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلََّا وََارِدُهََا} [4] ، أي لا يرد النار إلا ما أقسم الله تعالى به قال ابن قتيبة: هذا حسن لو كانت الاية قسما. ووجه اخر وهو أن المراد تقليل المدة لأنهم إذا أرادوا تقليل مدة شبهوها بتحليل القسم، وذلك أن يقول الرجل بعد حلفه إلا أن يشاء الله فيقولون ما يقيم إلا تحلة القسم. قال الشاعر في ثور: [من البسيط] :
يخفي التّراب بأظلاف ثمانية ... في أربع مسّهنّ الأرض تحليل
والأول أرجح وعليه كثير وقال أبو بكر زائدة للتوكيد وتحلّة منصوب على الظرف كذا في مجالس الشريف. قلت اعتراض ابن قتيبة على أبي عبيدة اعترفوا به ورأوه واردا غير مندفع، وهو غير وارد عندي بل غفلة عن النظم الكريم، فإنه تعالى قال في الاية: {كََانَ عَلى ََ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [5] ، فإنه تعالى تعهد لهم بذلك وأكده بكلمة على المستعملة في النذور والعهود، والعهد يعد في العرف واللغة يمينا كما صرح به الفقهاء كغيرهم. وسماه الله يمينا في القران في قوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللََّهِ إِذََا عََاهَدْتُمْ} [6] ثم قال:
{وَلََا تَنْقُضُوا الْأَيْمََانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهََا} [7] فجعله يمينا وهذا هو مراد أبي عبيدة.
(1) الزمخشري: الكشاف، ج 4ص 125.
(2) سورة التحريم، الاية 2.
(3) ذو الرّمة: الديوان، ص 294وعجزه:
به شيمة روعاء تقليص طائر
وكان في الصدر «فصلت» فصوبناها في المتن نقلا عن الديوان.
(4) سورة مريم، الاية 71.
(5) سورة مريم، الاية 71، والاية بتمامها: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلََّا وََارِدُهََا كََانَ عَلى ََ رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} .
(6) سورة النحل، الاية 91.
(7) سورة النحل، الاية 91.