التعميم أيضا. ومثاله أيضا قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) النساء: 58، فسبب نزولها أن العباس بن عبدالمطلب أراد أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة سادن الكعبة، فنزلت الآية فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بِرد المفتاح لعثمان، فذكر الأمانات بصيغة الجمع، قرينة تدل على أنه لم يُرد خصوص السبب - وهو مفتاح الكعبة - بل يراد به عموم الأمانات. [1]
الحالة الثانية: أن يقترن العام بما يدل على تخصيصه بالسبب، فيخص إجماعا، أي تكون العبرة بخصوص السبب لابعموم اللفظ [2] . وضرب الشنقيطي مثالًا لذلك بقوله تعالى (وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ - إلى قوله - خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) الأحزاب: 50 [3] .
الحالة الثالثة: ألا يقترن العام بقرينة تدل على التعميم أو التخصيص: وهي محل الخلاف بين العلماء، والحق فيها أن العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب، وهو قول جمهور العلماء كما حكاه أبو عمرو بن الحاجب في (منتهى الوصول والأمل) ص 79، وحكاه الشوكاني في (ارشاد الفحول) ص 126. وقال الشوكاني [وهذا المذهب هو الحق الذي لاشك فيه ولا شُبهة، لأن التعبد للعباد إنما هو باللفظ الوارد عن الشارع وهو عام، ووروده على سؤال خاص لايصلح قرينة لقصره على ذلك السبب] . ويدل على أن العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب أدلة منها:
الدليل الأول: ما رواه البخاري عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قُبلة، فأتى رسول الله عليه الصلاة والسلام فذكر ذلك له، فأنزلت عليه (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) هود: 114 - قال الرجل: ألِيَ هذه؟ قال عليه الصلاة والسلام (لمن عمل بها من أمتي) وفي رواية للبخاري (قال لجميع أمتي كلهم) . فهذا نص في محل النزاع على أن العبرة بعموم اللفظ، لأن (الحسنات والسيئات) صيغ عموم، مع أن سبب النزول خاص بِرَجُلٍ معين في ذنب ٍ معين، وعلى هذا انعقد إجماع أهل السنة على أن الحسنات تكفر السيئات بالموازنة.
الدليل الثاني: مارواه البخاري عن عَلِيّ رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام أتاه ليلًا وفاطمة بنت رسول عليه الصلاة والسلام، فقال لهم: ألا تُصَلّون؟، فقال علي: يارسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يقول (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) الكهف: 54. أو كما قال [4] . وهذه الآية من سورة الكهف (54) مكية نزلت في كفار مكة، وتلاوته عليه الصلاة والسلام لها في هذا الموضع مع علي وزوجه فاطمة رضي الله عنهما يدل على أن العبرة بعموم اللفظ.
الدليل الثالث: ماجاء في تفسير قوله تعالى (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) البقرة: 196، وفيها قال كعب بن عجرة رضي الله عنه (نزلت فِيَّ خاصة، وهي لكم عامة) [5] . وهذا أيضا نص في محل النزاع، خاصة وأن ما قاله كعب هو محل إجماع من الأمة.
الدليل الرابع: مارواه البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل، لما بَلَغَ النبي عليه الصلاة
(1) انظر (جمع الجوامع) لتاج الدين السبكي، وحاشيتي المحلى والعطار عليه، ج 2 ص 74، وانظر (مذكرة أصول الفقه) للشنقيطي ص 250
(2) انظر (المستصفى) للغزالي 2/ 21، و (الإحكام) للآمدي 2/ 239
(3) (مذكرة أصول الفقه) ص 250
(4) الحديث 1127 و 7347
(5) الحديث رواه البخاري (4517)