فهرس الكتاب

الصفحة 1059 من 1285

والسلام أن فارسًا مَلَّكوا ابنة كسرى قال (لن يُفلح قومٌ ولّوا أمرهم امرأة) [1] . وأيام الجمل يعني بها عندما خرجت عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم عَلَى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما كانت عائشة على رأسهم استدل أبو بكرة بهذا الحديث على أنهم لن يفلحوا، ولم ينكر أحدٌ من الصحابة على أبي بكرة استدلاله بذلك، فهذا إجماع - سكوتي - منهم على أن العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب، إذ إن الحديث قيل في قوم ٍ كفار (وهم الفُرْس) وامرأة كافرة (وهي ابنة كسرى) ولكنه أجراه على المسلمين لعموم لفظه، فهو نكرة (قوم ٌ) في سياق النفي (لن) . ومع أن بعض العلماء قصر هذا الحديث على سببه فجعل النهي عن تولية النساء خاصًا بالإمامة العظمى (لأنه ورد في تولي ابنة كسرى المُلك) وهذا قول ابن حزم إلا أن الجمهور على خلافه وأن النهي عام في جميع الولايات لعموم اللفظ، ومع ذلك فلم يقل أي من الفريقين بأن الحديث ورد في الكفار ولايجوز الاستدلال به للمسلمين.

الدليل الخامس: قوله تعالى (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا ... ) المائدة: 33، ولم يختلف العلماء في أنها نزلت في المرتدين (العُرَنيين) وقد عمموا حكمها على كل محارب وقاطع طريق سواء كان مسلمًا أو كافرًا. [2]

الدليل السادس: أن ماثبت فيه أن العام يقصر على سببه، فلوجود دليل آخر يدل على ذلك. كما قال ابن تيمية رحمه الله [واللفظ العام إن أريد به الخاص فلابد من نصب دليل يدل على التخصيص، إما مقترن بالخطاب عند من لايجوِّز تأخير البيان، وإما موسَّع في تأخيره إلى حين الحاجة عند الجمهور] [3] ، وقال أيضا [إذا كان اللفظ أعم من ذلك السبب، فقد قيل: إنه يقتصر على سببه، والذي عليه جماهير الناس أنه يجب الأخذ بعموم القول ما لم يقم دليل بوجوب القصر على السبب] [4] . ومن أمثلة ذلك (أن رسول الله عليه الصلاة والسلام رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه فأنكر قتل النساء والصبيان) [5] ، فهذا نص عام في النهي عن قتل جميع النساء ولكنه قُصِرَ على سببه وهو أن ذلك في قتال الكفار الأصليين، لأن الأدلة الأخرى أوجبت هذا القصر ومن هذه الأدلة وجوب قتل المرأة المرتدة للحديث (من بدّل دينه فاقتلوه) [6] ، وقتل المرأة قصاصًا لقوله تعالى (وَالأُنثَى بِالأُنثَى) البقرة: 178. ومن أمثلة قصر العام على سببه بدليل آخر قوله عليه الصلاة والسلام (إذا دُبغ الإهاب فقد طهر) [7] ، فقد كان سببه الشاة الميتة، فدل على أن جلد الميتة من مأكول اللحم يطهر بالدباغ، ولايدخل فيه جلد ميتة غير مأكول اللحم بدليل نهيه عليه الصلاة والسلام عن جلود السباع [8] .

والخلاصة: أن اللفظ العام الوارد على سبب، حُكمه يَعُم كل مايشمله اللفظ ما لم يقم دليل بوجوب قصر الحكم على السبب. أي أن العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب، ويتفرع عن هذا ثلاث مسائل وهي:

الأولى: أن صورة سبب الورود قطعية الدخول في النص العام.

(1) حديث (7099)

(2) انظر (مجموع فتاوى ابن تيمية) 7/ 85، و (فتح الباري) 12/ 109 - 110.

(3) (مجموع الفتاوى) 20/ 271

(4) (الصارم المسلول) ص 33

(5) متفق عليه

(6) رواه البخاري

(7) رواه مسلم

(8) الحديث رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت