فهرس الكتاب

الصفحة 1079 من 1285

• ومنها النص على إباحة دم المسلم بغير حق شرعي، فقوانينهم تبيح بل توجب قتل المسلم إذا خرج على الحاكم الكافر وسعى في خلعه، وتعتبر هذا المسلم مجرمًا في حين أنه مجاهد في سبيل الله يؤدي واجبًا شرعيًا.

• ومنها منح التراخيص التجارية لمزاولة المحرمات، كالترخيص للبنوك بمزاولة الربا، والترخيص بفتح المراقص وصالات القمار (الميسر) والخمارات وبيوت الدعارة في بعض البلدان. والترخيص والرخصة هي الإذن في الشئ، والإذن إباحة كما ذكره ابن منظور في (لسان العرب) ، ومن أباح الحرام المجمع على تحريمه كفر بالإجماع كما قال ابن تيمية [1] . ويلاحظ أن بعض الدول التي تدّعي أنها إسلامية تحكم بالكتاب والسنة وتطبق بعض الحدود الشرعية تمنح التراخيص للبنوك الربوبية لمزاولة نشاطها في تلك الدول وهذا يكفي وحده لتكفير مثل هذه الدول لأن هذا الترخيص إباحة وإجازة واستحلال للربا المجمع على تحريمه.

• ومنها النص على إباحة الحرام بإطلاق، كإباحة الردّة بالنص في الدساتير على أن (حرية الاعتقاد مكفولة) .

• ومنها السكوت عن تجريم الفعل ومعاقبة فاعله، بما يعني أنه مباح في قوانينهم، فتنص دساتيرهم على أنه (لاجريمة ولا عقوبة إلا بقانون) ، وقال أحد القانونيين [الأمر الذي لايعده القانون جريمة فهو مباح بصفة أصلية من الناحية الجنائية، بصرف النظر عن الظروف التي وقع فيها، بحيث لا يكون على القاضي لكي يحكم بالتبرئة إلا أن يتحقق من عدم النص على تجريم الواقعة المسندة] [2] . ومن هذا الباب تعتبر الردّة مباحة لأنها لايعاقب عليها القانون الوضعي فلو أن رجلا سبّ الله ورسوله لايُعَاقب في حين أنه لو سبّ ملك البلاد لعوقب بتهمة العيب في الذات الملكية، إذ تنص دساتير الدول الملكية على أن ذات الملك مصونة لاتمس!، ومن هذا الباب أيضا يعتبر الزنا بالتراضي مباحا وكذلك شرب الخمر ولعب الميسر في أماكن معينة، وكذلك يُباح التبرج والاختلاط والفنون الماجنة وغيرها من المحرمات.

فهذه كلها من صور الإباحة والاستحلال المكفِّر الذي تشتمل عليه الدساتير والقوانين الوضعية.

5 -لا أثر لنوع الكفر المقارن للاستحلال في تكفير المستحل: وبيان ذلك أنني قد نبّهت في أكثر من موضع بمبحث الاعتقاد على الفرق بين أسباب الكفر وأنواعه، وأن الأحكام الدنيوية مترتبة على الأسباب من الأقوال والأفعال الظاهرة لا على الأنواع والبواعث الباطنة. وهذا سارٍ هنا فكل من جعل الحرام حلالًا بنطقه أو بكتابته مع علمه بتحريمه فهو كافر، وقد ذكرت صور الاستحلال بالكتابة من قبل. أما الباعث له على ذلك: فقد يكون تكذيبا بحكم الله، وقد يكون معاندة لحكم الله مع الإقرار به وهذا هو حال الحاكمين بالقوانين الوضعية والذين يوجبون العمل بها، فكثير منهم يُقر بأن هذه الأشياء حرام ولكنه يبيحها بعلل شتى فهذه معاندة لحكم الله واستخفاف به. فلا يشترط للتكفير بالاستحلال أن يقارنه انكار وتكذيب بحكم الله بل قد يستحلها وهو مقر بحكم الله معاندة ً واستخفافًا، وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا الأمر بقوله: [وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلا لها فهو كافر بالاتفاق، فإنه ماآمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل، والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية، ولخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جَحْدًا محضا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرمها، ويعلم أن الرسول إنما حرم ماحرمه الله، ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم، ويعاند المحرم، فهذا أشد كفرًا ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقُدْرته فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم

(1) (مجموع الفتاوى) 3/ 267

(2) كتاب (شرح قانون العقوبات - القسم العام) للدكتور محمود محمود مصطفى، ص 146، ط جامعة القاهرة، ط 10، 1983م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت