ثالثا: المناط المكفّر الثالث (وهو الحكم بغير ما أنزل الله) :
أي الحكم بالشرع المخالف لشرع الله، أو الحكم بالقوانين الوضعية، فمن حَكَم بها كرؤَساء الدول والقضاة ومن في حكمهم، أو أجاز الحكم بها كرؤَساء الدول الآمرين بالحكم بها وكأعضاء البرلمانات المسئولين عن إقرار السياسة العامة للدولة، كل هؤلاء كفار لقيام المناط المكفر - وهو الحكم بغير ما أنزل الله - بهم، إما بالمباشرة منهم للحكم بذلك وإما لإجازتهم أو أمرهم للحكم به.
أما الأدلة على أن هذا المناط (الحكم بغير ما أنزل الله) مُكَفِّر، فهي:
1 -قوله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) الشورى: 21.
وقد سبق القول في دلالة هذه الآية في المناط السابق، وأنها تدل على أن من شرع للناس من دون الله فقد جعل نفسه شريكا لله، ومن اتبع تشريعه المخالف لشرع الله فقد اتخذ هذا المشرِّع شريكا مع الله، وصار مشركًا بالله.
قال الشيخ الشنقيطي [ولما كان التشريع وجميع الأحكام شرعية كانت أو كونية قدرية من خصائص الربوبية، كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعًا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع رَبًّا، وأشركه مع الله] [1] .
2 -وقوله تعالى (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) الكهف: 26.
ويقال فيها ماقيل في الآية السابقة، وقال الشنقيطي رحمه الله [ويُفهم من هذه الآيات كقوله (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) أن متبعي أحكام المشرّعين غير ماشرعه الله أنهم مشركون بالله] [2] . وسيأتي بقية كلام الشنقيطي بالتفصيل في المسألة الثامنة إن شاء الله.
3 -وقوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة: 31.
وقد سبق تفسير هذه الآية في المناط السابق، وسبق ذِكر حديث عدي بن حاتم الوارد في تفسيرها. وحاصلها أن من حَلّل وحرّم وشَرَع مايخالف شرع الله فقد نصب نفسه ربًا للناس من دون الله، ومن أطاعه في اتباع تشريعه المخالف - كما يفعله الحكام بغير ما أنزل الله - فقد اتخذه ربًا، وصار مشركا بالله كما يدل عليه آخر الآية وهو قوله تعالى (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، وصار كافرًا كما يدل عليه قوله تعالى (وَلاَ يَامُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَامُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) آل عمران: 80، فإذا كان اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كُفر، فلاشك في كفر من اتخذ مشرعي القوانين الوضعية أربابا باتباع تشريعهم.
وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ في كتابه (فتح المجيد) معلقًا على آية التوبة هذه [فظهر بهذا أن الآية دلت على أن من أطاع غير الله ورسوله، وأعرض عن الأخذ بالكتاب والسنة في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ماأحله الله، وأطاعه في معصية الله، واتبعه فيما لم يأذن به الله، فقد اتخذه ربًا ومعبودًا وجعله لله شريكًا، وذلك ينافي التوحيد الذي هو دين الله الذي دلت عليه كلمة الإخلاص (لا إله إلا الله) فإن الإله هو المعبود، وقد سمى الله تعالى طاعتهم عبادة لهم، وسماهم أربابًا، كما قال تعالى (( وَلاَ يَامُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا) ، أي شركاء لله تعالى في العبادة (أَيَامُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) وهذا هو الشرك، فكل معبود رب، وكل مُطاع ومُتّبع على غير
(1) إلى آخر ماذكره في (أضواء البيان) 7/ 169
(2) (أضواء البيان) 4/ 82 - 83