ماشرعه الله ورسوله فقد اتخذه المطيع المتبِع ربًا معبودًا، كما قال تعالى في آية الأنعام (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121 وهذا هو وجه مطابقة الآية للترجمة، ويُشبه هذه الآية في المعنى قوله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) والله أعلم] [1] .
(تنبيه) ورد لابن تيمية رحمه الله كلامٌ في الآية السابقة، ونقله عنه صاحب (فتح المجيد) دون تعليق، وهو كلام بحاجة ٍ إلى التعليق عليه، فأنقله ثم أعلّق عليه، فقال ابن تيمية[وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا - حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ماأحل الله، يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ماأحل الله اتباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا - وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم - فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ماقاله ذلك، دون ماقاله الله ورسوله، مشركًا مثل هؤلاء.
والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم مايفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.] [2] .
وبداية ً أنبه على أن هذا الكلام إنما هو في حق من يتبعون المشرعين من دون الله، أما المشرعون الذين جعلوا أنفسهم أربابًا من دون الله فكُفْرهم ظاهر لا اختلاف فيه.
وكلام شيخ الإسلام في التفريق بين الوجهين - بالنسبة لمن يتبعون المشرعين من دون الله - هو في مجمله صحيح، فإنه لو أن رجلا زيّن لمسلم شرب الخمر فأطاعه وشربها لكان عاصيا وهو الوجه الثاني في كلام شيخ الإسلام، أما إذا قال هذا الرجل إنه قد جعل الخمر حلالا لا إثم في شربها فقال له المسلم إنه سيتبع حكمه هذا وأنه كلما جاءه مخمور سيحكم بأنه لاعقوبة عليه فقد كفر المسلم بذلك وهو الوجه الأول في كلام ابن تيمية وهو المعنى المراد بالآية كما يدل عليه حديث عدي بن حاتم، أما الوجه الثاني الذي ذكره فإنه ليس مرادًا بالآية، فإيراده في هذا المقام يُحدث نوعًا من اللبس.
وأما قول ابن تيمية في الوجه الأول [فيعتقدون تحليل ما حرم الله واعتقد ماقاله ذلك] ، فهذا الكلام خطأ إذا أراد أنه لايكفر من اتبع التشريع المخالف إلا إذا اعتقد أنه الحق والصواب والأولى بالاتباع، وهذا هو الظاهر من كلام شيخ الإسلام، والدليل على أنه أخطأ في قوله هذا من وجهين:
الوجه الأول: أنه عدول عن المناط المكفِّر الذي اشتمل عليه النص، والمناط المكفر هو اتباع التشريع المخالف وطاعته لا اعتقاد أنه صواب أو خطأ، يدل على ذلك قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا) - إلى قوله - (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة: 31، فرتّب الشرك على اتخاذهم أربابا، وبين الرسول عليه الصلاة والسلام المراد بهذا الاتخاذ بأنه اتباعهم وطاعتهم في التشريع المخالف كما قال عليه الصلاة والسلام (بلى، إنهم حرّموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم) الحديث، وقال ابن كثير: [وهكذا قال حذيفة بن اليمان وعبدالله بن عباس وغيرهما: إنهم اتبعوهم فيما حلّلوا وحرّموا] [3] .
(1) (فتح المجيد) ص 110 - 111، ط دار الفكر
(2) (مجموع الفتاوى) 7/ 70
(3) وقد نقلت هذا كله من قبل عن (تفسير ابن كثير) 2/ 348 - 349