ومما يؤكد أن المناط المكفر هو اتباع التشريع المخالف وطاعته: قوله تعالى (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121، وسيأتي شرح هذه الآية بعد هذا التعليق إن شاء الله، وسنقتصر هنا على بيان موضع الدلالة منها وهو قوله (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) فرتب الشرك على مجرد طاعة أولياء الشياطين - وهم الكفار - في تشريعهم المخالف لشرع الله، كما قال ابن كثير [وقوله تعالى (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدّمتم عليه غيره فهذا هو الشرك، كقوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) التوبة: 31] [1] . فبين ابن كثير أن المناط واحد في الآيتين وهو طاعة الكفار في تشريعهم المخالف لشرع الله وأن هذا شرك، فقال في آية الأنعام (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121 وفي آية التوبة (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ) - إلى قوله - (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) . فالاتخاذ في آية التوبة جاء مفسرًا بالطاعة في آية الأنعام، وخير مايفسر به القرآن هو القرآن نفسه كما نقلته عن ابن تيمية في المقدمة الثانية بالمسألة الخامسة. وعلى هذا فتقيد كفر متبع التشريع المخالف بالاعتقاد - كما قال ابن تيمية - مخالف للنص وعدول عنه.
والوجه الثاني للخطأ في قول ابن تيمية: أنني قد ذكرت في تعريف الردّة - في مبحث الاعتقاد - أنها قطع الإسلام أو الرجوع عنه بقول أو فعل أو اعتقاد ثبت بالدليل كفر فاعله، وهذا لاخلاف عليه بين جميع المنتسبين إلى الإسلام من أهل السنة أو من سائر الطوائف المبتدعة وإن اختلفوا في تعليل كفره كما شرحته في مبحث الاعتقاد، وهناك ذكرت أن تقييد الكفر بالاعتقاد هو مذهب المرجئة على خلاف بين من جعل الاعتقاد لازمًا وهم مرجئة الفقهاء والمتكلمين وبين من جعله شرطًا مستقلا وهم الغلاة الذين أكفرهم السلف. فراجع ماذكرته في مبحث الاعتقاد خاصة في أخطاء التكفير منه. والحاصل هو كما قال ابن تيمية [وبالجملة فمن قال أو فعل ماهو كُفْر كَفَر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذ لايقصد الكفر أحدٌ إلا ماشاء الله] [2] . وفي مسألتنا هذه رتب الله الحكم بالكفر على مجرد اتباع التشريع المخالف والعمل به لا اعتقاده. فتقييد الكفر بالاعتقاد هنا لا وجه له. وفي الكلام عن قوله تعالى (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) التوبة: 65 - 66، قال ابن تيمية [فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبيّن أن الاستهزاء بآيات الله كفر] [3] ، وقال في نفس الآية [فدلّ على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبيَّن أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدلّ على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفرًا، وكان كفرًا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه] [4] . فكلام شيخ الإسلام هذا يبيّن لك أن من قال أو فعل ماثبت بالدليل أنه كُفْر، كَفَر وإن لم يصاحب قوله أو فعله اعتقاد مكفِّر كما قال في كلامه السابق [من غير اعتقاد له] وقال [فإنهم لم يعتقدوا جوازه] . وقد نقلت عن شيخ الإسلام في أكثر من موضع - بمبحث الاعتقاد وفي المقدمة الخامسة عشرة - قوله إن من سبّ الله أو
(1) وذكر ابن كثير حديث عدي بن حاتم في تفسيرها (تفسير ابن كثير) 2/ 171
(2) (الصارم المسلول) ص 177 - 178
(3) (مجموع الفتاوى) 7/ 220
(4) (مجموع الفتاوى) 7/ 273