فهرس الكتاب

الصفحة 1092 من 1285

الرسول كفر ظاهرًا وباطنًا وإن كان يعتقد أن ذلك حرام، وأن هذا قول أهل السنة، وراجع كلامه بنصه في المقدمة الخامسة عشرة [1] ، وذلك لأنه قد ثبت بالدليل كُفْر هذا السَّابّ - والسَّب قولٌ - فلا اعتبار للاعتقاد فيما ثبت كُفر قائله أو فاعله، حتى لو قال من أتى الكفر إنه يعتقد أنه باطل وحرام ولايجوز فهذا لايمنع من تكفيره، بل هو كاذب في دعواه هذه، كما قال ابن تيمية عن تارك الصلاة [يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يُقتل ويكون مع ذلك مؤمنا في الباطن قط لايكون إلا كافرًا، ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذبًا منه، كما لو أخذ يُلقى المصحف في الحش ويقول: أشهد أن مافيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًا من الأنبياء ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره من القول] [2] . وتأمل قوله [ونحو ذلك من الأفعال] فهي أفعال مكفرة بذاتها سواء وافقها التصريح باعتقاد مكفِّر أم لا. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ [ولو قال من حَكَّمَ القانون: أنا اعتقد أنه باطل، فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع، كما لو قال أحدٌ: أنا أعبد الأوثان واعتقد أنها باطل] [3] .

والخلاصة: إن من اتبع تشريع غير الله فأطاعه وعمل به كَفَر دون النظر في اعتقاده، وابن تيمية نفسه قال - بعد كلامه الذي قيد فيه الكفر بالاعتقاد - [من علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه وعَدَل عن قول الرسول، فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمّه الله، لاسيما إن اتبع في ذلك هواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالف للرسول، فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه] [4] . فتأمل كيف رتب الشرك على مجرد الاتباع هنا فقال [ثم اتبعه على خطئه] وكيف قيده أولا بالاعتقاد فقال [واعتقد ماقاله ذلك] ؟ فناقض شيخ الإسلام نفسه. والصواب هنا: أن الشرك مترتب على مجرد اتباع التشريع المخالف، بالعمل به، كما يفعله الحكام بغير ما أنزل الله من الرؤساء والقضاة وغيرهم في زماننا هذا. وكل أحدٍ يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعيار في قبول الأقوال وردها هو موافقتها للدليل كما قال تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59. هذا وبالله تعالى التوفيق.

ثم نعرّج على الدليل التالي وفيه توكيد للصواب الذي قررناه هنا، وهو أن كفر الحاكم بغير ما أنزل الله مترتب على مجرد اتباعه للتشريع المخالف وعمله به لا اعتقاده له.

4 -وهو قوله تعالى (وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121.

قال ابن كثير رحمه الله [استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لاتحل إذا لم يُذكر اسم الله عليها وإن كان الذابح مسلمًا - إلى أن قال: وقال الطبراني حدثنا علي بن المبارك حدثنا زيد بن المبارك حدثنا موسى بن عبدالعزيز حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت (وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ) أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدًا وقولوا له فما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وماذبح الله عز وجل بشمشير من

(1) نقلا عن (الصارم المسلول) ص 512

(2) (مجموع الفتاوى) 7/ 615 - 616

(3) (فتاوى ومقالات الشيخ محمد بن إبراهيم) 6/ 189

(4) (مجموع الفتاوى) 7/ 71

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت