ذهب، يعني الميتة، فهو حرام، فنزلت هذه الآية (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) ، أي وإن الشياطين من فارس ليوحون إلى أوليائهم من قريش - إلى أن قال ابن كثير - وفي بعض ألفاظه عن ابن عباس إن الذي قتلتم ذكر اسم الله عليه وإن الذي قد مات لم يذكر اسم الله عليه - إلى أن قال - وقال السدّي في تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله، فما قتل الله فلا تأكلونه وماذبحتم أنتم تأكلونه؟ فقال الله تعالى (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ) في أكل الميتة (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) ، وهكذا قاله مجاهد والضحاك وغير واحد من علماء السلف.
وقوله تعالى (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فقدّمتم عليه غيره فهذا هو الشرك، كقوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) الآية، وقد روي الترمذي في تفسيرها عن عدي بن حاتم أنه قال يارسول الله: ما عبدوهم، فقال «بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرّموا عليهم الحلال فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» ] [1] .
وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله [ومن هدي القرآن للتي هي أقوم - بيانه أن كل من اتبع تشريعا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفرٌ بواحٌ مخرجٌ من الملة الإسلامية. ولما قال الكفار للنبي عليه الصلاة والسلام: الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ فقال لهم «قتلها الله» فقالوا له: ما ذبحتم بأيديكم حلال وماذبحه الله بيده الكريمة تقولون إنه حرام! فأنتم إذن أحسن من الله؟ فأنزل الله فيهم قوله تعالى (وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) - إلى قوله - فهو قسمٌ من الله جل وعلا أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك، وهذا الشرك مخرج عن الملة بإجماع المسلمين، وسيوبخ الله مرتكبه يوم القيامة بقوله (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) يس: 60 لأن طاعته في تشريعه المخالف للوحي هي عبادته] [2] .
وآية الأنعام هذه وماورد في تفسيرها يبيّن بوضوح لايقبل اللبس أن كل من اتبع تشريع غير الله وعمل به مقدمًا إياه على شرع الله أنه مشرك بالله، وهذا هو حقيقة حال الحاكمين بغير ما أنزل الله بالقوانين الوضعية من رؤَساء الدول والقضاة وغيرهم. كما بينت آية الأنعام هذه بما لا يدع مجالًا للشك أن مناط تكفير هؤلاء الحكام بغير ما أنزل الله هو مجرد طاعتهم للتشريع المخالف (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ ... ) واتباعهم لهذا التشريع (كما في حديث عدي بن حاتم) ، وليس مناط التكفير هو اعتقاد أفضلية التشريع المخالف أو أحقيته وصوابه كما قال ابن تيمية وتبعه على هذا كثير من المعاصرين، وهذا خطأ كما بيّنته من قبل.
5 -وقوله تعالى (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) الأنعام: 1.
قال الرازي في (مختار الصحاح) : [ (عَدَلْتُ) فلانًا بفلان إذا سَوَّيْت بينهما، و (العَدْل) ماعَدَلَ الشئ من غير
(1) انتهى كلام ابن كثير من (تفسيره) 2/ 169 - 171. وحديث ابن عباس المذكور رواه ابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم بأسانيد صحيحة
(2) (أضواء البيان) 3/ 439 - 440