جنسه] [1] .
فمعنى (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) أي يجعلون لله عدلًا وشريكا، كما قال القرطبي وابن كثير في تفسيرها. وقال ابن القيم [قال الزجّاج «أعلم الله سبحانه أنه خالق ماذكر في هذه الآية، وأن خالقها لاشئ مثله، وأعلم أن الكفار يحعلون له عديلا» ، والعَدْلُ: التسوية، يقال: عَدَل الشئ بالشئ، إذا سوَّاه به، ومعنى يعدلون به: يشركون به غيره - إلى قوله - ومثله قوله تعالى عن هؤلاء المشبِّهين أنهم يقولون في النار لآلهتهم (تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) الشعراء: 97 - 98 -، فاعترفوا أنهم كانوا في أعظم الضلال وأبينه، إذ جعلوا لله شِبْهًا وعدلًا من خلقه سَوَّوهم به في العبادة والتعظيم] [2] .
وبهذا تعلم أن كل من حكم بغير ما أنزل الله أي حكم بتشريع غير الله فقد جعل هذا الغير عَدْلًا مساويًا لله الذي له وحده حق التشريع للخلق، ومن جعل لله عَدْلًا فقد جعل له شريكا وكفر بذلك كما قال تعالى (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) . وقال الشيخ محمد حامد الفقي [سووهم به في خصائص الربوبية وهي التشريع، كما قال الله عنهم (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) التوبة: 31، وفي قوله (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) الشورى: 21 وفي حديث عديّ بن حاتم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام شرح ذلك] وقال الفقي أيضا [وعَدَلوا به في الطاعة والتشريع] [3] .
وبهذا ترى أن الآدلة يعضد بعضها بعضا في بيان أن كل من اتبع تشريع غير الله فقد اتخذ هذا الغير شريكا وربًا، وسوّاه بذلك بالله تعالى أي عَدَلَهُ بالله وكَفَر بذلك. وهذا فيه بيان لما ذكرته في المسألة الثانية بهذا الموضوع من تعلق مسائل التشريع والحكم والتحاكم بتوحيد الله عز وجل ووجوب إفراده وحده لا شريك له بذلك كله.
ثم نتابع سرد بقية الأدلة على كفر من حكم بغير ما أنزل الله.
6 -قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) - إلى قوله - (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النساء: 60 - 65.
وقد سبق بيان معنى الطاغوت على التفصيل عند نقد (الرسالة الليمانية في الموالاة) في آخر مبحث الاعتقاد، فراجعه هناك، وحاصله: أنه بحسب الحقيقة فإن الطاغوت هو الشيطان الداعي لكل كفرٍ بالله، وبحسب الظاهر فإن الطاغوت نوعان: طاغوت عبادة كما قال تعالى (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا) الزمر: 17، وطاغوت حُكم كما قال تعالى (يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) النساء: 60، والحكم والتحاكم هما أيضا عبادة كما قال تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ) يوسف: 40، وعلى هذا فالطاغوت بحسب الباطن والحقيقة هو الشيطان الداعي لكل كفر، وبحسب الظاهر هو كل ما عبد من دون الله ومنه كل ماتحوكم إليه غير الله تعالى.
والحاكمون بغير ما أنزل الله - كالرؤَساء والقضاة وغيرهم - بحكمهم بالقوانين الوضعية إنما هم يتحاكمون إلى مَنْ
(1) (مختار الصحاح) مادة عدل، ص 417 - 418
(2) (إغاثة اللهفان) لابن القيم، 2/ 245 - 246
(3) انظر هامش ص 21 بالجزء الثالث من (مدارج السالكين) لابن القيم، تحقيق الفقي