فهرس الكتاب

الصفحة 1095 من 1285

شرعها فيتبعون تشريعه بالحكم به بين الناس، ومن تحاكم إلى غير شرع الله فقد تحاكم إلى الطاغوت، ومن تحاكم إلى الطاغوت فقد عبده لأن التحاكم عبادة كما سبق بيانه، ومن عبد الطاغوت فقد كفر بالله. ألا ترى كيف أكذبهم الله في دعواهم الإيمان بقوله تعالى (يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا) ، ثم أقسم بذاته الكريمة أنهم غير مؤمنين فقال (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ) ماداموا يتحاكمون إلى الطاغوت حتى يتحاكموا إلى شريعة الله تعالى.

والحاكمون بغير ما أنزل الله مع كونهم يتحاكمون إلى الطاغوت، فإنهم هم أنفسهم طواغيت لأنهم يُتحاكم إليهم من دون الله.

وفي تفسير قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا، إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا) النساء: 116 - 117، قال الشنقيطي رحمه الله [قوله تعالى: (وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا) المراد في هذه الآية بدعائهم الشيطان المريد عبادتهم له ونظيره قوله تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) يس: 60 الآية. وقوله عن خليله إبراهيم مقررا له (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ) مريم: 44 وقوله عن الملائكة (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) سبأ: 41 الآية وقوله (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ) الأنعام: 137 ولم يبين في هذه الآيات ماوجه عبادتهم للشيطان، ولكنه بين في آيات أخر أن معنى عبادتهم للشيطان إطاعتهم له واتباعهم لتشريعه وإيثاره على ماجاءت به الرسل من عند الله تعالى كقوله (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121 الآية فإن عدي بن حاتم رضي الله عنه لما قال للنبي عليه الصلاة والسلام كيف اتخذوهم أربابا؟ قال له النبي عليه الصلاة والسلام «إنهم أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا عليهم ماأحل الله فاتبعوهم» وذلك هو معنى اتخاذهم إياهم أرباباويُفهم من هذه الآيات بوضوح لا لَبْس فيه أن من اتبع تشريع الشيطان مؤثرا له على ماجاءت به الرسل، فهو كافر بالله، عابد للشيطان، متخذ الشيطان ربا وإن سمى اتباعه للشيطان بما شاء من الأسماء، لأن الحقائق لاتتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم.)[1] .

وبعد، فقد كان ماسبق من الأدلة على كفر من حكم بغير ما أنزل الله كلها متعلقة ببيان كفرهم من جهة أن اتباعهم تشريع غير الله هو شركٌ منهم وكفرٌ باتخاذهم شركاءً وأربابًا من دون الله في التشريع، وأن هذا كله راجع في حقيقته إلى اتباع شريعة الشيطان وعبادته بالتحاكم إليه. وهناك وجه آخر لكفر الحكام بغير ما أنزل الله يبينه الدليل التالي، وهو:

7 -وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) المائدة: 51.

وقد سبق الكلام في تفسير هذه الآية مع بيان معاني الموالاة في اللغة والشرع، وذلك في نقد (الرسالة الليمانية في الموالاة) بآخر مبحث الاعتقاد، فراجع ماذكرته هناك، ومن ضمن ماذكرته هناك أن الموالاة في اللغة تعني القُرْب والدُّنُو والمتابعة.

وقد ذكرت في المسألة الأولى من هذا الموضوع أن القوانين الوضعية المعمول بها الآن في الدول التي تزعم أنها إسلامية هي في معظمها قوانين أوربية تم فرضها بقوة الاحتلال المسلح. أي أن هذه القوانين هي دين أوربا لأن الدين هو الطريقة المتبعة حقًا كانت أو باطلًا - كما في المقدمة الأولى بالمسألة الخامسة - أو بعبارة أخرى: إن هذه القوانين هي دين

(1) (أضواء البيان) 1/ 476

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت