فهرس الكتاب

الصفحة 1096 من 1285

اليهود والنصارى أهل أوربا، ومتابعتهم في قوانينهم التي هي شريعتهم ودينهم يدخل في صريح الموالاة، وموالاتهم كفر كما قال تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) . فهذا هو الوجه الآخر لكفر الحكام بغير ما أنزل الله، فإن حكمهم بهذه القوانين موالاة لليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين اقتبسوا من قوانينهم.

وقد ذكر الأستاذ محمد نعيم ياسين ضمن صور موالاة الكفار [استعارة قوانينهم ومناهجهم في حكم الأمة وتربية أبنائها - إلى قوله - فمن اجتمعت عندهم هذه الأمور أو قدر منها، وكان ذلك له خُلقًا وعادة، فقد أقام الدليل على أنه راض بكفر الكافرين، فيكون مثلهم، بل منهم، ولاينجيه من الكفر إلا إيمان جديد واقلاع عن موالاة الكفار] [1] .

وقال الشيخ أحمد بن الصديق الغماري في كتابه (الاستنفار لغزو التشبه بالكفار) ، قال [كان من آثار التشبه بالكفار اتباعهم في الرفض للدين ولشريعة الله كنظام لحياة المسلمين حكومة وشعبًا، واستيراد قوانين الأرض بديلًا عن الشريعة في الحكم والتربية، وبذلك ارتدوا على أعقابهم فعادوا لحياة ماقبل الإسلام - إلى قوله - والتبعية للغرب تعنى ردّة، ولهذا استباح المسلمون حُرمات الله ومقدسات الدين بشعارات التقدم فأبيح الربا والخمر والمجون والإباحة والتبرج والاختلاط وشيوع الزنا والعلاقات المحرمة بتعميم تحرر المرأة وتواجدها في جميع مجالات الحياة. وظهرت في بلاد الإسلام مذاهب الكفر والفجور تدعو لنفسها علنًا وتمارس أنشطتها في حرية وهدوء - إلى قوله - وليعلم هؤلاء وجميع المستغربين أن العرب بغير دين لامكان لهم في دنيا الناس، وليست محنة الأندلس السليبة ببعيدة، فليحذر المجانين أن يكرروا الكارثة، وليحذروا أن يرموا بشعوبهم ودولهم للغرب، وإنه لمُنتظر!، والغرب غرب، قديمُه وحديثُه، وللغرب عنت الآية حين قالت (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) البقرة: 120] [2] .

وبعد:

فقد كانت هذه بعض الأدلة على كفر الحكام بغير ما أنزل الله، وهي أدلة إجمالية، وهناك أدلة تفصيلية على كفرهم ترجع إلى ماتشتمل عليه القوانين الوضعية من استحلال المحرمات وإباحتها كإباحة الربا وإباحة الزنا بالتراضي وإباحة الخمر والميسر في أماكن معينة، واستحلال مال المسلم بغير حق كما هو الحال في الاشتراكية، واستحلال قتل المسلم بغير حق بقوانينهم الباطلة التي تبيح قتل المسلم المجاهد الخارج على الحاكم الكافر بتهمة قلب نظام الحكم وغير ذلك من صور استحلال المحرمات القطعية وإباحتها، وهي أمور مكفرة بالإجماع، ويُراجع في هذا ماذكرته في المقدمة السابعة عشرة، كما أشرت إلى ذلك أيضا في آخر التنبيه الهام المذكور عقب تعليقي على قول الطحاوي [ولايخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه] وذلك بمبحث الاعتقاد.

وبهذا أختم الكلام في سرد الأدلة النصية على كفر الحكام بغير ما أنزل الله، وقد تبين لك مما ذكرته في هذه المسألة أن مسألة الحكم بغير ما أنزل الله مشتملة على ثلاثة مناطات مكفرة، كل منها مكفر بذاته، وهي ترك حكم الله، وتشريع غير حكمه، والحكم بغير ما أنزل الله بهذا التشريع المخالف لشرعه.

كما تبين لك أن القائمين على العمل بالقوانين الوضعية ببلاد المسلمين من الحكام والمشرعين، منهم من تجتمع في حقه المناطات الثلاثة المكفرة، ومنهم دون ذلك.

وبهذا ترى أن كفر الحكام بغير ما أنزل الله لايعتمد على دليل واحد، بل تعاضدت الأدلة على بيان كفرهم من عدة

(1) (الإيمان) لمحمد نعيم ياسين، ص 110 - 111، ط دار عمر بن الخطاب

(2) من المرجع المذكور، ص 82 - 83، ط دار البشائر الإسلامية 1409هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت