أوجه، وذلك لأن مسائل التشريع والحكم والتحاكم هي من مسائل الدين الكبار الداخلة في أصل الإيمان وفي تحقيق التوحيد، فبيّن الله كُفْر المخالف فيها بأكثر من دليل قطعي الدلالة بما يبين لك أن كفرهم هو كفر على كفر ليس كفرًا دون كفر كما يزعمه بعض من لاعلم لهم، (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) النور: 40.
وعند الكلام في المناط المكفر الأول (ترك الحكم بما أنزل الله) كنت قد أرجأت الكلام في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44 إلى مابعد سرد بقية الأدلة، وعليه فهذا أوان الكلام في هذه الآية.
الكلام في قول الله عز وجل (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
أرجأت الكلام في هذه الآية لأتكلم فيها بشئ من التفصيل، وذلك لأنها عمدةٌ في موضوعنا ونص صريح في محل النزاع، ولكن لما ورد على الاستدلال بها بعض الشبهات التي تفرغ الآية من مضمونها وتعطّلها عما أراد الله بها فقد لزم تفصيل القول فيها.
أما كون هذه الآية عمدةٌ في موضوعنا: فذلك لأن الحكم بالقوانين الوضعية في واقعنا المعاصر صورته كصورة الذين أنزلت فيهم هذه الآيات، فقد نزلت في قوم يزعمون أنهم مؤمنون، ومع ذلك تركوا الحكم بحد ٍ من حدود الله فرضه عليهم - وهو حد رجم الزاني المحصن - ولم يمحوه من كتابهم - التوراة - وإنما عطّلوا العمل به، واخترعوا حكمًا بديلا من عند أنفسهم وجعلوه شرعا متبعًا بينهم، فحكَمَ الله بكفرهم بمجرد تركهم الحكم بما أنزل الله، فكيف إذا انضاف إليه الحكم بغيره بقانون مخترع؟. وإذا كان الله تعالى قد أكفر من ترك الحكم بحد ٍ واحد ٍ من حدوده، فكيف بمن ترك الأحكام الشرعية جملة واستبدل قوانين الكفار بها؟. فإذا كانت صورة الواقع كصورة سبب نزول هذا النص فإنها جارٍ عليها حكمُه لامحالة، فقد أجمع العلماء على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول في النص كما ذكرته في المقدمة السابعة بالمسألة الخامسة. فكيف وصورة الواقع أشد من صورة سبب النزول كما أسلفت البيان؟. هذا مايتعلق بكون هذه الآية عمدة ً في موضوعنا.
أما أن الشبهات الواردة على الاستدلال بهذه الآية قد كثرت بما يؤدي إلى تعطيل النص وتفريغه من مضمونه، فمرجع هذه الشبهات إلى أمرين: (أحدهما) استدلال أصحاب هذه الشبهات بأقوال بعض السلف من الصحابة والتابعين في هذه الآية دون اعتبار لأقوال مخالفيهم من طبقتهم، (والأمر الثاني) الخطأ في الاستدلال ببعض القواعد التي هي إما أنها صواب ولكن أخطأ المستدل في فهمها كقاعدة (لانكفر مسلمًا بذنب ما لم يستحله) . وإما أنها خطأ ولم يدرك المستدل وجه الخطأ فيها فاستدل بها مقلدًا لمن وضعها وذلك كالاستدلال بمقالة (لايخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه) .
وسوف أذكر فيما يلي ماورد في سبب نزول هذه الآيات بسورة المائدة، ثم أذكر المسائل المختلف فيها في تفسيرها مع بيان القول الراجح في كل منها بما فيه رد على الشبهات الواردة على الاستدلال به.
الكلام في سبب نزول هذه الآيات
قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَاتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، سَمَّاعُونَ