فهرس الكتاب
حجة، لأنه - وكما ذكرت في المقدمة الرابعة عشرة - أنه لاحجة في قول الصحابي إذا خالف نص الكتاب والسنة، وقد تبين بدلالة اللغة العربية ودلالة عرف الشارع أن نص آية المائدة يدل على أن الكفر فيها هو الأكبر، فلا حجة في قول الصحابي إذا خالف في ذلك. فكيف إذا كان لايثبت عن ابن عباس قول (كفر دون كفر) ؟ وكيف وقد خالفه غيره من الصحابة؟.
أما التابعون فهم الذين ثبت عنهم الخلاف في هذه المسألة: فقال الحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والسدّي إنه الكفر الأكبر، وقال طاوس وعطاء إنه الأصغر، وقد نقلت في المقدمة الثانية (أفضل طرق التفسير) عن ابن تيمية قوله - في أقوال التابعين في التفسير - [فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض و لا على من بعدهم، ويُرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك] [1] . وماذكره شيخ الإسلام هو ما صنعته في هذه المسألة فقد لجأت إلى الترجيح بدلالة أقوال الصحابة ثم اللغة العربية ثم لغة القرآن (عُرف الشارع) ثم النصوص الأخرى في نفس المسألة، وقد ترجّح بهذا كله قول من قال من التابعين بأن الكفر في الآية هو الأكبر.
وقد كان هذا كله في الكلام عن المسألة الثانية في هذه الآية، وهل الكفر فيها هو الأكبر أم الأصغر؟. ثم نعرج على الرد على الشبهة الثالثة فيها.
الشبهة الثالثة: على القول بأن الكفر في الآية هو الأكبر، فهل مناط الحكم به هو مجرد ترك الحكم بما أنزل الله والحكم بخلافه، أم أن مناط الحكم بالكفر هو جحد حكم الله واستحلال الحكم بخلافه؟.
سبق بيان معنى الجحد في مبحث الاعتقاد عقب تعليقي على قول الطحاوي رحمه الله [ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه] ، وأنه يُطلق على انكار الواجب الشرعي، وأنه كُفر لأنه تكذيب بالنص الموجب للواجب، وقال تعالى (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ) العنكبوت: 47.
كما سبق بيان معنى الاستحلال في التعليق المشار إليه أعلاه، وفي المقدمة السابعة عشرة، وأنه جعل ماحرّمه الله حلالًا، وسواء كان الباعث على ذلك: التكذيب بالنص المحرِّم للحرام أو معاندة النص مع الإقرار به، فإن الاستحلال كفر بالنص وبالإجماع كما ذكرته في المقدمة السابعة عشرة.
فَعَلَى القول بأن الكفر في آية المائدة هو الأكبر، فهل هذا في حق من تعمد ترك حكم الله والحكم بغيره أم هو في حق من جحد حكم الله أو استحل الحكم بغير ما أنزل الله؟. اختلفت أقوال الصحابة والتابعين في ذلك:
فاشترط الجحد للحكم بالكفر: ابن عباس [2] ، واشترطه عكرمة [3] .
ولم يشترط الجحد للحكم بالكفر بقية من نقلنا عنهم من الصحابة والتابعين وأن من تعمد ترك حكم الله فقد كفر، كما
(1) (مجموع الفتاوى) 13/ 370
(2) فيما نسبه إليه الطبري في تفسيره (6/ 257) ونقله ابن كثير
(3) فيما نقله أبو حيان الأندلسي في تفسيره (3/ 493)