فهرس الكتاب
ولايُحمل على مطلق حقيقته أي الكفر الأصغر إلا بدليل من كتاب أو سنة وهذا منتف ٍ بالنسبة لآية المائدة، وقد سبق في المقدمة الحادية عشرة أن قول الصحابي لايخصص القرآن ولايقيده لاسيما إذا خولف فلا يكون في قوله حجة أصلا كما ذكرته في المقدمة الثالثة.
ولأجل دلالة اللغة العربية ودلالة لغة القرآن (وهي عُرف الشارع في كلامه) على أن الكفر في هذه الآية هو الكفر الأكبر، فقد قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره - منتقدًا قول من قال إنه كفر أصغر - [وقيل المراد كفر النعمة، وضُعِّفَ بأن الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين، وقال ابن الأنباري: فعل فعلًا يضاهي أفعال الكفار، وضُعِّف بأنه عدول عن الظاهر] [1] .
4 -دلالة الشرع: فقوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وإن ترتب الكفر فيه على مجرد ترك الحكم بما أنزل الله، إلا أن هذا لابد أن يلازمه الحكم بغير ما أنزل الله، كما يدل عليه سبب نزول الآيات: فاليهود تركوا الحكم بما أنزل الله (الرجم) وحكموا بغير ما أنزل الله (الجلد والتحميم ... ) فالحديث الوارد في سبب النزول يبين مناط الحكم الوارد في الآية، وأن المناط مركب من ترك حكم الله والحكم بغيره، لأن السنة مبينة للقرآن ومفسّرة له كما نقلته عن ابن تيمية في المقدمة الثانية، واستدل بقوله تعالى (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) النحل: 44، على أن الرسول عليه الصلاة والسلام يبيّن بسنته ما أنزل الله من القرآن. وقد بيّنتْ السنة - حديث سبب النزول - أن الحكم بغير ما أنزل الله داخل في مناط الحكم الوارد بالآية. وقد تبيّن من الأدلة التي ذكرتها في المناط المكفر الثالث أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر بلا ريب، ويدل على ذلك ماورد في تفسير قوله تعالى (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) الشورى: 21، وقوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا) التوبة: 31، وقوله تعالى (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121، وقوله تعالى (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) الأنعام: 1. فإذا كان الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا أكبر وهو داخل في المناط الوارد في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) فلابد أن يكون الكفر فيها هو الأكبر. وقد نقلت في المقدمة الثانية (بيان أفضل طرق التفسير) عن ابن تيمية قوله [إن أصحّ الطرق في ذلك أن يُفسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجمِلَ في مكان فإنه قد فُسّر في موضع آخر، وما اختصر من مكان فقد بُسِط في موضع آخر] [2] . وباتباع هذا الطريق في التفسير يتبين لك بالجمع بين النصوص المختلفة أن الكفر في آية المائدة هو الأكبر كما أسلفت.
والخلاصة: أنه قد دلت أقوال الصحابة بلا مخالف واللغة العربية ولغة القرآن (عُرف الشارع) والنصوص الأخرى في نفس المسألة: على أن الكفر الوارد في آية المائدة هو الكفر الأكبر.
ولم يقع خلاف بين الصحابة في هذا، ومانسب إلى ابن عباس لايثبت عنه، ولو صح عنه ذلك لما كان في قوله ولا قول غيره من الصحابة حجة بسبب اختلافها (كما في المقدمة الثالثة) ولوجب الترجيح بين أقوالهم (كما في المقدمة الخامسة) ، وقد تبيّن بالترجيح بدلالة اللغة ودلالة عرف الشارع أن ظاهر النص يراد به الكفر الأكبر، وقد تأيّد هذا بدلالة النصوص الأخرى في نفس المسألة، وهذا يرجح قول من قال من الصحابة بأن الكفر في الآية هو الأكبر.
وأضيف هنا: أنه لو صح عن ابن عباس قول (كفر دون كفر) ولو لم يكن له مخالف من الصحابة، لَمَا كان هذا القول
(1) (تفسير البحر المحيط) 3/ 493
(2) (مجموع الفتاوى) 13/ 363