فهرس الكتاب

الصفحة 1110 من 1285

ج - اتيانه سبحانه بجملة جواب الشرط في صورة مبتدأ وخبر معرفتين (فَأُوْلَئِكَ ... الْكَافِرُونَ) وذلك من علامات انحصار الخبر (الكفر) في المبتدأ (فَأُوْلَئِكَ) وهو اسم إشارة يعود على (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) ، وانحصار الخبر المعرف بأل في المبتدأ فيه مبالغة في حصول كمال معناه في المحكوم عليه (وهو المبتدأ) أي مبالغة في حصول كمال الكفر لأولئك الذين لم يحكموا بما أنزل الله .. [1] .

د - ومجئ المبتدأ في جملة جواب الشرط في صيغة اسم الإشارة (أولئك) زيادة في الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله (وَمَن لَّمْ يَحْكُم ... ) باستحقاق الكفر [2] .

هـ - وتقديم المبتدأ على الخبر في جملة جواب الشرط وإن كان هو الأصل في اللغة إلا أنه يفيد في أن كون المبتدأ (فَأُوْلَئِكَ) متصفًا بالخبر (الْكَافِرُونَ) هو المطلوب بيانه، كما أن هذا التقديم يفيد زيادة تخصيص [3] .

و - وادخال ضمير الفصل (هُمُ) بين المبتدأ والخبر (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) يفيد اختصاص المبتدأ بالخبر، أي اختصاص أولئك (الذين لم يحكموا بما أنزل الله) بالكفر [4] .

والخلاصة: أن أسلوب هذه الآية من جهة بنية ألفاظها وتركيبها بلغ الغاية في إفادة المعنى، وهو أن أولئك الذين لم يحكموا بما أنزل الله قد بلغوا الغاية في الكفر، وهذا يتفق مع ماذكرته آنفا عن النسائي في هذه الآية من أنه لاشتم أشد مما ورد بها. هذا من جهة دلالة اللغة العربية.

3 -دلالة عرف الشارع، أي لغة القرآن: وهو أن الكفر لم يرد في القرآن إلا بما يعني الكفر الأكبر، انظر المقدمة الثالثة عشرة وهي (وجوب حمل معنى اللفظ على معهود استعمال الشارع) ، وفيها ذكرت القاعدة العامة التي ذكرها ابن تيمية في قوله [اللفظ إذا تكرر ذِكره في الكتاب، ودار مرة بعد مرة على وجه واحد، وكان المراد به غير مفهومه ومقتضاه عند الإطلاق ولم يُبَيَّن ذلك كان تدليسًا وتلبيسا يجب أن يُصان كلام الله عنه] [5] ، هذا على وجه العموم، أما بالنسبة للكفر خاصة فإنه حيث أطلق ولم يرد نص يقيد معناه فالمراد به الكفر الأكبر أي حقيقته المطلقة كما قال ابن حجر رحمه الله [عُرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به مايقابل التوحيد، وقد تكرر هذا اللفظ في الكتاب والأحاديث حيث لايُراد به إلا ذلك] [6] ، وقال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ رحمهم الله [ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة قد يُراد بها مُسَمَّاها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لايُحمل عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وإنما يُعرف ذلك بالبيان النبوي وتفسير السنة، قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) إبراهيم: 4] [7] . ومعنى حقيقته المطلقة أي الكاملة، ومعنى مطلق الحقيقة أي أدنى مايُطلق عليه، وبالنسبة للكفر فحيقيقته المطلقة - وهي الأصل في خطاب الشارع عند الأصوليين - هي الكفر الكامل أي الأكبر،

(1) انظر (الإيضاح في علوم البلاغة) للقاضي جلال الدين القزويني، ص 101، ط دار الكتب العلمية 1405هـ

(2) انظر (الإيضاح) للقزويني ص 47

(3) انظر (الإيضاح) للقزوني ص 58

(4) انظر (الإيضاح) للقزويني ص 57

(5) (مجموع الفتاوى) 6/ 471

(6) (فتح الباري) 1/ 65

(7) (الرسائل المفيدة) للشيخ عبداللطيف، جمع سليمان بن سحمان، ص 21 - 22

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت