فهرس الكتاب

الصفحة 1109 من 1285

كما آمنا، فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا مابدّلوا منها] [1] . ويدل هذا الحديث - وهو من رواية ابن عباس موقوفا - على أمرين، الأول: أن هذه الآية كانت مما أنزل بالتوراة الصحيحة قبل تبديلها فأنزل الله تصديقها في القرآن، والأمر الآخر: أن الكفر فيها هو الأكبر ويدل على ذلك قول المبدّلين منهم: مانجد شتمًا أشد من شتم يشتمونا هؤلاء، لمَّا قرأ المؤمنون منهم تلك الآية، ولاشتم أشد من وصفهم بالكفر الأكبر على مابدّلوا وحَرّفوا، ولو لم يكن الكفر في الآية هو الأكبر لما وصفوه بأنه أشد شتم ٍ.

والدليل الثاني: وهو ماسبق ذكره في المناط المكفِّر الثالث عند الكلام في قوله تعالى (وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121، وفي سبب نزولها روي ابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم بأسانيد صحيحة عن ابن عباس قوله: [إن ناسًا من المشركين كانوا يجادلون المسلمين في مسألة الذبح وتحريم الميتة فيقولون: تأكلون مما قتلتم ولاتأكلون مما قتل الله؟، يعنون الميتة، فقال تعالى (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) ] [2] .

فهذا نص عن ابن عباس في أن من اتبع التشريع المخالف - ولو في قضية واحدة وهي تحليل الميتة هنا - أنه مشرك، وذاك - أي مارواه عنه النسائي - نص في أن تبديل الشريعة كفر أكبر. وهذا كله يؤكد بطلان نسبة قول (كفر دون كفر) إلى ابن عباس إذ قد ثبت عنه بأسانيد صحيحة خلاف ذلك في نفس الموضوع وهو الحكم بغير ما أنزل الله بالشرع المخترع، وأنه شرك وكفر بلغ الغاية في الشدة بما يعني أنه كفر أكبر. نعود بعد ذلك إلى الترجيح بين القولين الواردين في نوع الكفر في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) أهو كفر أكبر أم أصغر؟. والصواب الذي لاشك فيه أنه كفر أكبر مخرج من الملة، وإليك الأدلة على ذلك:

1 -دلالة إجماع الصحابة لأنه قول الصحابة بلا مخالف منهم، فهو إجماع يجب المصير إليه، وقد نُقل ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وأثبتُ فيما مضى أنه قول ابن عباس أيضا وأنه لا يصح عنه قول (كفر دون كفر) . ولا اعتبار لمخالفة بعض التابعين كطاوس وعطاء مع اتفاق الصحابة. وقد نقلت في المقدمة الثالثة أقوال الفقهاء في أن الصحابة إذا اتفقوا على قول وجب الأخذ به، كما ذكرت عند الكلام في إجماع الصحابة - في نقد (الرسالة الليمانية في الموالاة) بآخر مبحث الاعتقاد - أن الإجماع الصحيح هو ماانتفى فيه المخالف والمنازع، وقد تبين لك أنه لا مخالف من الصحابة في أن الكفر في هذه الآية هو الأكبر، ومع انتفاء المخالف يمكن القول بأن هذا إجماع منهم على ذلك.

2 -دلالة اللغة العربية: وذلك لأن الكفر في الآية جاء بصيغة الإسم المعرف بأل - (الْكَافِرُونَ) - الدال على حصول كمال المعنى، بما يعني أنه الكفر الأكبر كما ذكرته في المقدمة الثانية عشرة، فراجعها.

وأضيف إلى ماذكرته في تلك المقدمة: أن الله سبحانه وتعالى قد أكد الكفر في هذه الآية وبَالغَ في وصفه وتغليظه بأسلوب هو من أقوى أساليب اللغة في إفادة المعنى وهو:

أ - مجئ الكفر بلفظ الإسم وهو دال على ثبوت الكفر ولزومه، دون الفعل الدال على التجدد والحدوث.

ب - تصدير الإسم بالألف واللام المؤدية لحصول كمال المسمى (الْكَافِرُونَ) بما يعني أنه الكفر الأكبر كما سبق ذكره في المقدمة الثانية عشرة.

(1) الحديث (4990) بسنن النسائي

(2) وانظر (تفسير ابن كثير) 2/ 169 - 171

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت