فهرس الكتاب
المعلوم أن الحافظ ابن حجر من عادته في «مقدمة فتح الباري» أن يذبّ عمن تُكُلم فيهم بغير حق ويدافع بكل ماأوتي من علم، أما من ظهر له ضعفهم وأن البخاري لم يعتمد عليهم وحدهم إنما أوردهم في المتابعات أو مقرونين، فمثل هؤلاء لايكلف نفسه عناء الرد عليهم، بل يذكر المتابعات الواردة لهم في الصحيح وكفى، وكذلك فعل مع هشام بن حجير «راجع المقدمة» .
أما مسلم فكذلك ليس له عنده إلا حديثين ولم يرو له إلا مقرونا .. وراجع في هذا ماقاله الشيخ الهروي في كتابه «خلاصة القول المفهم على تراجم رجال الإمام مسلم» .
والخلاصة أنه عرف مما سبق أنه لاحجة لمن حاول تقوية هشام بالاحتجاج برواية البخاري ومسلم له .... لأنهما لم يرويا له استقلالًا ولكن متابعة ... وهذا من الأدلة على تضعيفه إذا انفرد.
ومن أجل هذا كله لم يوثق هشام بن حجير إلا المتساهلون كابن حبان فإنه مشهور بالتساهل في التوثيق. ومثله العِجلي، قال المعلمي اليماني: [توثيق العجلي وجدته بالاستقراء كتوثيق بن حبان تماما أو أوسع] [1] . إلى أن قال - وكذا توثيق ابن سعد فإن أغلب مادته من الواقدي المتروك كما ذكر ابن حجر في مقدمة الفتح عند ترجمة عبدالرحمن بن شريح، فإذا كان هذا حال من وَثَّقوه فإن رواياته لاتقوم بها حجة بتوثيقهم هذا ..
فكيف وقد عارضهم وقال بتضعيفه الأئمة الجبال الرواسي كأحمد وابن معين ويحيى بن سعيد القطان وعلي بن المديني وغيرهم.
فخلاصة القول: أن هشام بن حجير ضعيف لاتقوم به حجة استقلالا وحده، نعم هو يصلح في المتابعات كما عرفت وليس له على رواية ابن عباس هذه. متابع، فصح ّ ضعفها وعدم جواز الجزم بنسبتها إلى ابن عباس.
بل قد ثبت بإسناد صحيح عن ابن عباس في تفسير هذه الآية غير ذلك، فقد روي ابن جرير الطبري رحمه الله: ثنا هناد قال ثنا وكيع وحدثنا ابن وكيع قال ثنا أبي عن سفيان عن معمر بن راشد عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال: [هي به كفر] . [وليس كفرا بالله وملائكته وكتبه ورسله] ، والظاهر أن القول الأخير [وليس كفرا بالله وملائكته .... ] ليس من قول ابن عباس أو مدرج من قول ابن طاوس، والدليل على ذلك ماوراه ابن جرير الطبري قال ثنا الحسين بن يحيى قال أخبرنا عبدالرزاق قال أخبرنا معمر عن طاوس عن أبيه قال سُئل ابن عباس عن قوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: هي به كفر. قال ابن طاوس: (وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله) .] انتهى كلام أبي أيوب البرقوي.
وبهذا ترى أنه لا يصح عن ابن عباس قول (كفر دون كفر) في هذه الآية، بل صح عنه قوله (هي به كفر) هكذا باطلاق بما يعني أنه الكفر الأكبر. وأذكر فيما يلي دليلين يبينان ذلك:
الدليل الأول: ويبين أن ابن عباس رضي الله عنهما يرى أن الكفر في هذه الآية هو الكفر الأكبر، وهو مارواه النسائي في باب تأويل قول الله عز وجل (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، فقد روي النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس قال [كانت ملوكٌ بعد عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام بدّلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرأون التوراة، قيل لملوكهم: مانجد شتمًا أشد من شتم يشتمونا هؤلاء، إنهم يقرأون (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، وهؤلاء الآيات مع مايعيبونا به في أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرأوا كما نقرأ وليؤمنوا
(1) «الأنوار الكاشفة» ص 68