فهرس الكتاب
كفر دون كفر] [1] .
وهذا الأثر - وإن صححه الحاكم - فهو ضعيف من جهة الرواية، والعلة فيه: هشام بن حجير فقد اتفق جهابذة الحديث على تضعيفه وبالتالي فالأثر ضعيف، نعم يصلح حديثه للمتابعة إذا توبع على روايته أما إذا انفرد - كما هو الحال في هذا الأثر - فلا يصلح للاحتجاج. ومن هذا الباب روي له البخاري ومسلم في المتابعات لا ما انفرد به، ولعل رواية الشيخين له هو ماجعل الحاكم رحمه الله يحكم بصحة هذا الحديث ظنًا منه أن هشامًا قد جاوز القنطرة بذلك، وهذه الجملة نبّه عليها الزيلعي في (نصب الراية) فذكر من أسباب غلط الحاكم في التصحيح: أن بعض الرواة يكون قويًا إذا روي عن شيخ معين معروف بملازمته له ولايكون قويًا في غيره من الشيوخ، فيخرج البخاري ومسلم أحاديث هذا الراوي من الوجه القوي فقط فيظن الحاكم أن هذا توثيقًا مطلقا من الشيخين له فيعتمد جميع حديثه ويحمله على الصحة، وهنا روي الشيخان لهشام متابعةً فاعتبر الحاكم أن هذا توثيقًا مطلقًا له.
هذا وقد سعى أحد المعاصرين - وهو علي بن حسن بن عبدالحميد الحلبي - في تصحيح هذا الأثر عن ابن عباس، وهذا الرجل مطعون في عدالته لتحريفه فيما ينقله عن الآخرين مثله كشيخه الألباني وقد ذكرت مازوّره على شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابي (العمدة) وستأتي إشارة إلى ذلك في موضوع الحجاب من هذا المبحث إن شاء الله، وقد انتدب للرد عليه في تصحيحه أثر ابن عباس الشيخ أبو أيوب البرقوي، ونقل هذا الرد لي أحد الإخوان الثقات، فأنقله عنه باختصار من باب نسبة الفضل إلى أهله فهذا من بركة العلم كما قال ابن عبدالبر في جامِعِه. قال البرقوي - بعدما ذكر لفظ الحاكم للأثر -[هشام بن حجير ضعّفه الأئمة الثقات ولم يتابعه على هذه الرواية أحد. قال أحمد بن حنبل: هشام ليس بالقوي، وقال: مَكْيٌّ ضعيف الحديث، وهذا طعن من جهة الرواية. وضعَّفه يحيى بن سعيد القطان وضَرَب على حديثه، وضعّفه علي بن المديني، وذكره العُقيلي في الضعفاء، وكذا ابن عَدِيّ
وهشام صالحٌ في دينه، لذا قال ابن شبرمة: ليس بمكة مثله، وقال ابن معين: صالح فهذا في الدين أو العبادة بدليل أن ابن معين نفسه قد قال فيه: ضعيف جدا.
وقال الحافظ ابن حجر: صدوق له أوهام. قلت: فلعل هذا من أوهامه لأن مثل هذا القول مرويّ ثابت عن ابن طاوس، فلعله وَهَم فنسبه إلى ابن عباس.
وقال علي بن المديني: زعم سفيان قال: كان هشام بن حجير كتب كُتُبَه على غير مايكتب الناس، أي اقتدارًا عليه، فاضطربت عليه] [2] .
وهشام من أهل مكة، وسفيان كان عالمًا عارفًا بأهل مكة، روي العقيلي بإسناده عن سفيان بن عيينة أنه قال: [لم نأخذ منه إلا ما لم نجده عند غيره] . فصَحَّ أن هذا الأثر مما تفرد به هشام لأنه من رواية ابن عيينة عنه.
وقال أبو حاتم: [يُكتب حديثه] ، وهذه أيضا من صيغ التمريض والتضعيف، لأن هذا يعني أن حديثه لايُقبل استقلالا، وإنما يؤخذ به في المتابعات فقط. ولذلك لم يَرْو له البخاري ومسلم إلا متابعة أو مقرونًا مع غيره، لذا كانت أحاديثه من الأحاديث المنتقدة على الصحيحين.
أما البخاري فلم يرو له إلا حديثًا واحدًا، هو حديث سليمان بن داود عليهما السلام [لأطوفن الليلة على تسعين امرأة ... ] الحديث، أورده في كفارة الأيمان من طريق هشام وتابعه في كتاب النكاح برواية عبد الله ابن طاوس. ومن
(1) رواه الحاكم وهذا لفظه في المستدرك (2/ 313) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه
(2) من «معرفة الرجال» 203/ 2