فهرس الكتاب
المسلمين حتى الخوارج الذين يكفّرون الفساق بالمعاصي ومنها الحكم بغير ما أنزل الله] [1] . والرجل - رشيد رضا - كأنه يستخف عقل القارئ خاصة فيما نسبه إلى الخوارج وهو خلاف ماتواتر عنهم. وقد ورد قوله السابق ضمن فتواه التي أفتى فيها بجواز الحكم بالقوانين الانجليزية الوضعية [2] ، وأجاز فيها تولي المسلم لمنصب القضاء على أن يحكم بهذه القوانين، فكان لابد له من أن يقول إن الكفر الوارد في آية المائدة ظاهره غير مراد وإلا لأبطل فتواه. وفتواه هذه ضلال مبين وقد اشتملت على مغالطات شرعية شنيعة انتقدها الأستاذ/ محمد قطب [3] ، ونقده له صائب في مجمله وإن كان يُعْوِزُه الاستدلال الشرعي في مواضع، فراجعه إن شئت.
فهذا ما يتعلق بمن قال من الصحابة والتابعين بأن الكفر في الآية على ظاهره.
2 -أما من قال إنه كفر أصغر أو كفر لاينقل عن الملة أو كفر دون كفر:
فمن الصحابة نُسِب هذا القول إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ولا يصح عنه كما سأبينه إن شاء الله.
ومن التابعين: رُوِيَ عن طاوس أنه قال [ليس بكفر ينقل عن الملة] . وعن عطاء بن أبي رباح أنه قال فيها [كفر دون كفر] [4] .
هذا جميع ماورد في التفاسير - فيما اطلعت عليه - من أقوال في نوع الكفر الوارد في الآية، ومادام المسألة قد اختلف فيها فلابد من الترجيح بين أقوال المختلفين، ولكن قبل الترجيح نذكر ماورد عن ابن عباس في المسألة لبيان عدم صحته من جهة الرواية. وقد رُوِيَ عنه في تفسير هذه الآية قولان:
الأول: قوله [وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله] . وعلى التحقيق فهذا ليس قول ابن عباس، وإنما قول ابن طاوس أُدرج - في رواية سفيان عن معمر - على ابن عباس. وبيان ذلك أن الطبري رحمه الله روي من طريق سفيان بن عيينة عن معمر بن راشد عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس [ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: هي به كفر، وليس كفرًا بالله وملائكته وكتبه ورسله، أه. ورواه الطبري من طريق عبدالرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: سُئل ابن عباس عن قوله (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال: هي به كفر، قال ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله] [5] . وقد ظهر من الرواية الثانية - رواية عبدالرزاق وهي التي اقتصر ابن كثير على إيرادها - أن كلمة [وليس كمن كفر بالله] هي من كلام ابن طاوس لا ابن عباس، وعلى هذا فلا يصح نسبة هذا القول لابن عباس.
والقول الثاني لابن عباس: قول [ليس بالكفر الذي تذهبون إليه] ، ولم يذكره الطبري وإنما ذكره ابن كثير من رواية ابن أبي حاتم والحاكم كلاهما من طريق سفيان بن عيينة عن هشام بن حُجير عن طاوس عن ابن عباس في قوله (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال: ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرآً ينقل عن الملة (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
(1) (تفسير المنار) 6/ 406، ط دار المعرفة، ط 2
(2) انظر (تفسيره المنار) 6/ 405 - 409
(3) في كتابه (واقعنا المعاصر) ص 332 - 340، ط مؤسسة المدينة 1407 هـ
(4) رواهما ابن جرير (6/ 256) ونقله عنه ابن كثير فيما نقلته عنه
(5) انظر (تفسير الطبري) 6/ 256