فهرس الكتاب

الصفحة 1105 من 1285

أما القول بأنها ليست في المسلمين فهو خطأ قطعا كما أسلفت.

الشبهة الثانية: هل الكفر الوارد في هذه الآية كفر أكبر أم كفر أصغر؟.

حَكَمَ الله تعالى بكفر من لم يحكم بما أنزله، فقال (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، فهل هذا الكفر هو الأكبر المخرج من الملة أم الأصغر الذي لايُخرج من الملة أو بلفظ آخر كفر دون كفر؟. اختلفت أقوال الصحابة والتابعين في ذلك على قولين:

1 -فمنهم من قال إنه الكفر هكذا بإطلاق بما يعني أنه الأكبر كما سنبينه إن شاء الله، ومن هؤلاء عبد الله بن مسعود فيما نقله عنه ابن كثير في تفسيره [أنه سُئل عن الرشوة في الحكم فقال: ذاك الكفر، وتلا الآية، ورواه ابن جرير من طرق وفي رواية له بإسناده عن مسروق قال: سألت ابن مسعود عن السُّحت، أهو الرشا في الحكم، فقال: (لا، من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، ومن لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم، من لم يحكم بما أنزل الله فهو فاسق، ولكن السحت يستعينك الرجل على المَظْلمة فتعينه عليها، فيهدي لك الهدية، فتقبلها) ] [1] . وروي الطبراني بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال [الرشوة في الحكم كفر، وهي بين الناس سُحت] [2] .

وبمثل قول ابن مسعود قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وذلك فيما نقله الألوسي البغدادي في تفسيره قال [وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أرأيت الرشوة في الحكم أمن السحت هي؟ قال: لا، ولكن كفر، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة، ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية. وأخرج عبد بن حميد عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سئل عن السحت فقال: الرشا، فقيل له في الحكم، قال: ذاك الكفر، وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود نحو ذلك] [3] .

وقال بمثل قول ابن مسعود من التابعين: الحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والسدي فقال ابن قدامة الحنبلي [قال الله تعالى چ ? ? چ، قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره: هو الرشوة، وقال: إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به إلى الكفر] [4] . وقال القاسمي في تفسيره [ونقل في «اللباب» عن ابن مسعود والحسن والنخعي: أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبدّل الحكم فحكَم بغير ما أنزل الله، فقد كَفَر وظَلَم وفَسَق، وإليه ذهب السُّدّي لأنه ظاهرالخطاب] [5] . وقول السدي ذكره ابن كثير فيما نقلته عنه ورواه ابن جرير بإسناده عنه قال (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) يقول: ومن لم يحكم بما أنزلتُ فتركه عمدًا وجَارَ وهو يعلم فهو من الكافرين] [6] .

فهذه أقوال الصحابة والتابعين في أن الكفر الوارد في الآية هو الأكبر على ظاهره، وبهذا تعلم أنه لاوجه لكلام محمد رشيد رضا في تفسيره (المنار) حيث قال [أما ظاهر الآية فلم يقل به أحد من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يقل به أحدٌ قط، فإن ظاهرها يتناول من لم يحكم بما أنزل الله مطلقًا سواء حكم بغير ما أنزل الله تعالى أم لا، وهذا لايُكفره أحدٌ من

(1) (تفسير الطبري) 6/ 240

(2) ذكره ابن حجر المكي في كتابه (الزواجر) 2/ 189، ط دار المعرفة 1402هـ

(3) (تفسير روح المعاني) للألوسي، مجلد 3، ج 6 ص 140

(4) (المغني مع الشرح الكبير) 11/ 437 - 438

(5) (محاسن التأويل) للقاسمي، 6/ 215، ط دار الفكر 1398هـ

(6) (تفسير الطبري) 6/ 257

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت