فهرس الكتاب

الصفحة 1104 من 1285

أهل الكتاب وبين أن يقول ليست في المسلمين، فهذا القول الأخير لم يرد عن الصحابة وإنما ورد عن بعض التابعين، وهو خطأ لما قدّمت من أدلة، ولأن قول الصحابي لايخصص عموم القرآن لاسيما إذا خولف كما ذكرته في المقدمة الحادية عشرة، وبالأحرى فإن قول التابعي لايخصصه.

5 -وعلى القول بأنها نزلت في كفار أهل الكتاب، فإن مالزمهم من الوعيد الوارد فيها يلزم المسلمين، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام (لتتبعُنَّ سَنَن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جُحر ضبّ ٍ تبعتموهم) قالوا: يارسول الله اليهود والنصارى؟ قال عليه الصلاة والسلام (فَمَن؟) [1] . وهذا هو معنى ماورد عن حذيفة بن اليمان فيما رواه الطبري بإسناده عن أبي البختري قال: [سأل رجلٌ حذيفة عن هؤلاء الآيات (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) قال: فقيل ذلك في بني إسرائيل؟ قال: نِعْم الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كانت لهم كل مُرَّةٍ، ولكم كل حُلوةٍ، كلاّ والله لتسلكنّ طريقهم قدر الشِراك] [2] . هذا وقد ذكرت في المقدمة التاسعة الأدلة على جواز الاستدلال بالآيات التي نزلت في الكفار على المسلمين طالما يتناولهم لفظها بعمومه، وذكرت فيها سبعة أدلة ثم قول ابن تيمية [وإنما قَصَّ الله علينا قصص من قبلنا من الأمم لتكون عبرة لنا، فنُشَبِّه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها، فيكون للمؤمن من المتأخرين شبه بما كان للمؤمن من المتقدمين، ويكون للكافر والمنافق من المتأخرين شبه بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين] [3] .

6 -وعلى القول أيضا بأن الآية نزلت في اليهود، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) - إلى قوله - (وَمِنَ الَّذِينَ هِادُوا) . فإن (الَّذِينَ هِادُوا) هو لقب، ومفهوم مخالفة اللقب لا حجة فيه، بمعنى أنه إذا أثبتت الآيات حكمًا لهذا اللقب (الَّذِينَ هِادُوا) ، فإن مفهوم المخالفة معناه أن ينتفي هذا الحكم عن غير (الَّذِينَ هِادُوا) ، ولما كان مفهوم مخالفة اللقب لايحتج به، فإن هذا معناه أن الحكم الخاص بالذين هادوا لايلزم بالضرورة أن ينتفي عمن عداهم. والحكم المشار إليه هو الوارد في قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) . وكون مفهوم مخالفة اللقب لاحجة فيه يرد على من ادعى خصوصية أهل الكتاب بهذا الحكم. [4] .

7 -وعلى القول أيضا بأن الآية نزلت في أهل الكتاب، فإن عامة السلف وجمهور الفقهاء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ثبت أنه شرع لهم بنقل ٍ موثوق ولم يثبت في شرعنا مايخالفه. وهذا متحقق بالنسبة للحكم الوارد في هذه الآية، وقد تكلمت في هذه المسألة في آخر مبحث الاعتقاد في نقد (الرسالة الليمانية) [5] . فإذا كان مالزم أهل الكتاب شرعًا لنا فهذا مما يدل أيضا على عموم النص.

وبعد، فهذه سبعة أوجه تدل كلها على أن قوله تعالى (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) نصٌ عام يدخل المسلمون في عمومه، وكل من أتى بالسبب الوارد فيها (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) لزمه الحكم الوراد فيها (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ويتبين من ذلك أن القول بأنها نزلت في أهل الكتاب هو من باب بيان سبب النزول لاغير،

(1) الحديث متفق عليه

(2) (تفسير الطبري) 6/ 253

(3) (مجموع الفتاوى) 28/ 425

(4) انظر في مفهوم مخالفة اللقب: (الإحكام في أصول الأحكام) للآمدي 3/ 104، و (ارشاد الفحول) للشوكاني ص 166 و 169

(5) نقلا عن (مجموع فتاوى ابن تيمية) 1/ 258، و 19/ 7، و (اقتضاء الصراط المستقيم) له ص 167 - 169، ط المدني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت