فهرس الكتاب
فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ)، وقوله (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ) فهذا كله خطاب لرسولنا عليه الصلاة والسلام، وهو الذي حكم فعلا في الواقعة التي نزلت فيها هذه الآيات فحكم برجم الزانيين، وقد تبيّن لك من المقدمة العاشرة أن خطاب الله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام هو خطاب لأمته إلا أن يقوم دليل على التخصيص، ولادليل على ذلك هنا، بل إن العدول في الخطاب من صيغة المفرد (يَا أَيُّهَا) إلى صيغة الجمع (فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا) يؤكد عموم الخطاب لأمته. وقد نقلت في تلك المقدمة قول ابن تيمية [الأصل فيما خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام في كل ماأُمِرَ به ونُهِيَ عنه وأبيح له، سارٍ في حق أمته، كمشاركة أمته له في الأحكام وغيرها حتى يقوم دليل على التخصيص، فما ثبت في حقه من الأحكام ثبت في حق الأمة إذا لم يخصّص، هذا مذهب السلف والفقهاء] [1] .
3 -ومما يؤكد أن الحكام المعاصرين الذين يدّعون الإيمان ويحكمون بغير ما أنزل الله داخلون في عموم الحكم الوارد بالآية، أن حالهم كحال الذين أنزلت فيهم الآيات كما قال ابن كثير [نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر الخارجين عن طاعة الله ورسوله المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عز وجل - إلى قوله - والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وكانوا قد بدّلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرّفوه] [2] . فصورة الواقع هي صورة سبب نزول الآيات، وقد ذكرت في المقدمة السابعة أن صورة سبب النزول قطعية الدخول في النص، ونقل السيوطي [3] الإجماع على ذلك. ولأجل ذلك قال إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» بعد أن حكي الخلاف في ذلك: [ظاهر الآيات يدل على أن من فَعَل مثل مافعلوا، واخترع حكمًا يخالف به حكم الله، وجعله دينًا يُعمل به، فقد لزمه مثل مالزمهم من الوعيد المذكور حاكمًا كان أو غيره] [4] . وهذا الذي ذكره إسماعيل القاضي ينطبق تماما على الحكام المعاصرين فهم يحكمون بشرع مخترع جعلوه دينا يُعمل به أي نظامًا ملزمًا كما ذكرته في معاني الدين في المقدمة الأولى. ولايؤثر في ذلك كون الحكام المعاصرين هم الذين اخترعوا القوانين الوضعية أو ورثوها عن أسلافهم، لأن اليهود الذين أنزلت فيهم الآيات لم يكونوا هم الذين ابتدعوا التشريع المخالف وإنما ورثوه عن أسلافهم، فهي صورة سبب النزول أيضا، كما تدل على ذلك أحاديث سبب النزول خاصة مارواه الطبري عن أبي هريرة في سبب نزولها. كذلك فإن التزام الحكام المعاصرين للحكم بهذه القوانين وإلزامهم غيرهم الحكم بها في البلاد هو رضاءٌ منهم بها فيكون حكمهم حكم من اخترعها، فالتزام الكفر كفر، والإلزام بالكفر كفر، والرضا بالكفر كفر، (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) النور: 40.
4 -أنه لم يرد عن أحدٍ من الصحابة أنه قال إن الآية ليست في المسلمين، وإنما غاية ماورد عن بعضهم قوله: إنها نزلت في أهل الكتاب، وهذا ليس تخصيصًا وليس قصرًا للنص العام على هذا السبب، وقول الصحابي هنا هو مجرد بيان لسبب النزول كما ذكرته في المقدمة الثامنة، وقال ابن تيمية أيضا: [إن الصحابة يقولون نزلت الآية في كذا ولايختلفون في أن نصّها يتعدى إلى غير سبب نزولها طالما يتناوله لفظها] [5] . وهناك فرق بين أن يقول قائل: نزلت في
(1) (مجموع الفتاوى) 15/ 82
(2) (تفسير ابن كثير) 2/ 58
(3) (الاتقان، 1/ 28)
(4) نقله ابن حجر في (فتح الباري) 13/ 120، ونقله القاسمي في تفسيره (محاسن التأويل) 6/ 216
(5) (مجموع الفتاوى) 31/ 28 - 29