منها على أقوال لبعض السلف وردت فيما ذكره ابن كثير وغيره من المفسرين وهذه الشبهات الثلاث هي: قولهم إن الآية خاصة بأهل الكتاب لا المسلمين، وقولهم إن الكفر فيها هو الأصغر (كفر دون كفر) ، وقولهم إنه لايُحمل على الكفر الأكبر إلا في حق الجاحد أو المستحل، فجعلوا هذا هو مناط التكفير في الآية.
وفيما يلي رد على هذه الشبهات وبيان الراجح والصواب في كل منها إن شاء الله، وسوف نعتمد في قدر كبير من الردود هنا على المقدمات المذكورة في المسألة الخامسة من هذا الموضوع، وقد أفردت هذه المقدمات بمسألة مستقلة حتى لا استطرد كثيرًا أثناء الردود هنا في إقامة الأدلة على صحة هذه المقدمات، فإذا قلت في كلامي التالي: انظر المقدمة رقم كذا فالمراد بها ماذكرته في المسألة الخامسة.
الشبهة الأولى: هل الآية خاصة بأهل الكتاب أم عامة يشمل حكمها المسلمين؟.
اختلفت أقوال الصحابة والتابعين في هذه المسألة على قولين: فمنهم من قال نزلت في أهل الكتاب والكفار (كقول البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبي مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وقتادة والضحاك وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم) ، ومنهم من قال إنها واجبة على المسلمين (كقول حذيفة بن اليمان والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي) . ولم يقل إنها ليست في المسلمين إلا أبو صالح. [1] .
وقد ذكرت في المقدمة الثالثة أنه لاحجة في أقوال الصحابة مع اختلافها، ومع ذلك فلابد أن يكون الحق في أحد أقوالهم المختلفة ولايخرج الحق عن جميعهم كما ذكرته في المقدمة الرابعة، ولمعرفة الحق في أقوالهم فلابد من الترجيح بينها بوجوه الترجيح المختلفة كما ذكرته في المقدمة الخامسة، وقد نقلت في المقدمتين الثالثة والخامسة قول الإمام مالك رحمه الله - في اختلاف الصحابة - (مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد) .
وبالترجيح نجد أن الصواب في هذه المسألة قول من قال إن الآية عامة يدخل المسلمون في حكمها، والدليل على ذلك:
1 -أن صيغة الآية عامة لأنها مصدَّرة بمَنْ الشرطية (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) ، وقد ذكرت في المقدمة السادسة أن العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب، وعلى هذا فإن الحكم الذي تضمنته الآية فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) يعم ويلزم كل (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ) . قال ابن تيمية رحمه الله [ولفظ (مَن) أبلغ صيغ العموم لاسيما إذا كانت شرطًا أو استفهامًا، كقوله (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) الزلزلة: 7 - 8 وقوله (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) فاطر: 8] [2] . ولما كانت صيغة الآية عامة فقد قال ابن القيم فيها [ومنهم من تأوّلها على أهل الكتاب، وهو قول قتادة والضحاك وغيرهما، وهو بعيد، وهو خلاف ظاهر اللفظ، فلا يُصار إليه] [3] . وكذلك قال القاسمي في تفسيره [وكذا ماأخرجه أبو داود عن ابن عباس: أنها في اليهود - خاصة قريظة والنضير - لاينافي تناولها لغيرهم، لأن الاعتبار بعموم اللفظ لابخصوص السبب، وكلمة (مَن) وقعت في معرض الشرط فتكون للعموم] [4] .
2 -ومما يؤكد أن حكم الآية عام يدخل المسلمون في عمومه: أن رسول الله عليه الصلاة والسلام هو المخاطَب بهذه الآيات كما يدل عليه قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) ، وقوله (فَإِن جَآؤُوكَ
(1) انظر كلام ابن كثير السابق وكلام الطبري في تفسيره 6/ 252 - 255
(2) (مجموع الفتاوى) 15/ 82، ومثله في 24/ 346
(3) (مدارج السالكين) 1/ 365، ط 1 دار الكتب العلمية
(4) (محاسن التأويل) للقاسمي، 6/ 215، ط دار الفكر 1398ه. وبالمثل قال غيره من المفسرين كأبي حيان الأندلسي في (البحر المحيط) 3/ 492